الأربعاء، 23 ديسمبر، 2009

رحلة ميلادية في براغ... بوهيميا البلور والدمى والكاتدرائيات والاساطير









الأربعاء 23 كانون الأول 2009 - السنة 77 - العدد 23911
رحلة ميلادية في براغ... بوهيميا البلور والدمى والكاتدرائيات والاساطير



طعم الميلاد في براغ غيره في بلاد أخرى. فبراغ صرح من حضارة اوروبا الوسطى والعائد اليها زائراً في عيد الميلاد يحتفل ايضاً بحريتها ويستعيد حرية بيروت الجريح.




"لا يفترنّ ايمانكم في الغد، كيف لا وقد عاينتم انواره تندلج عبر جسد يشتعل!!"

(كلمات في تشييع يان بلاخ)


هذه كلمات تضمنتها احدى اللافتات التي رفعت في براغ في السادس والعشرين من شباط 1969 ، يوم تشييع الطالب يان بالاخ الذي احرق نفسه احتجاجا في ساحة وينسسليس في ذكرى ستة اشهر على دخول جيوش حلف وارسو، بأمر من الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف، الى بلاده. وذلك بغية وقف الاصلاحات التي كان بدأها الامين العام الجديد للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي السيد الكسندر دوبيك، والتي لم تتلاءم مع العقيدة الشيوعية السائدة في ذلك الوقت. وسيق دوبيك الى موسكو مع سائر زعماء المعارضة، وتسلّم غوستاف هوزاك المقرب من الاتحاد السوفياتي الحكم حتى العام 1989 ، تاريخ وقوع الثورة المخملية التي افضت الى بداية مرحلة جديدة لاوروبا وتشيكيا.



صبي الميلاد

اراد الصبي في الرجل الذي صرته، ان يكون احتفاله بعيد الميلاد مختلفا هذا العام. لذا، قرر الذهاب بعيدا، الى اوروبا العتيقة لسبر اغوار جمالات بوهيميا التي كان قرأ كثيرا في قصصها يوم كان في الجسد طفلا.
بوهيميا بلد البلور والقلاع والكاتدرائيات والاساطير والثلج والالعاب الخشبية والاطعمة والبيرة والناس الطيبين. واجمل ما حوته تلك البلاد هي براغ. براغ مدينة آل همبورغ التي اسستها الاميرة "ليبوسيه" الخارجة من خيال و"لا وعي" قبائل السلاف التي اقامت هناك.
وقد فاقت براغ بأهميتها حجر بوهيميا الكريم الاحمر القاتم اللون "الغرانات". فقلاعها وقصورها وشوارعها الفائقة الجمال المصممة على الطراز البروسي كانت محط انظار سكان مدائن اوروبا شرقا وغربا.
وكان الصبيّ قرأ كثيرا عن المدينة وطيور الملك هنري وتماثيله الرائعة الشاخصة منذ عقود على جسر نهر الفيلتافا. ذلك الجسر الذي جهد العرّافون طويلا لتحديد تاريخ وساعة بدء العمل فيه، كي يدوم الى الابد منذ العام 1357. نعم لقد ارتبطت براغ بالنسبة له بالاسطورة وبالتغيير في اوروبا. احبّ ربيعها وحلم به عربيا، لذا فإنه لم ينفكّ يبحث عنه في شوارع مدينته بيروت. لقد مثّلت له براغ التغيير وكسر الجدران والرتابة ، وهذا ما كان يريده حقاً.



الوصول الى براغ

كان صاحبي وصل مملكة الهمبورغ قرابة منتصف كانون الاول الجاري. فأقام في فندق ليوناردو في المدينة القديمة، على بعد خطوات من ذلك الجسر(جسر الملك هنري) الذي يختزل في ثناياه ارث المدينة التي شغلت اوروبا واضحت عاصمتها لحقبة غير قليلة (عاصمة الامبرطورية الرومانية الغربية المقدسة). اتى صاحبي المدينة التي لا يفارقها حجاج الثقافة والمدنية كي يتبرّك من ماضيها وواقعها. فاحسّ ببرد براغ يضربه عميقا ويدخله الى اعماق التاريخ بحثا عن الاسطورة والدفء. ولم يتردد الشاب المتوسطي، ومنذ الساعة الاولى لوصوله، في النزول الى ازقة عاصمة بوهيميا لمعاينة تاريخ لم ينفك يفضي هناك الى حاضر يبحث عن وصايات جديدة. فواقع بلد التشيك كان يقوم، على ما يبدو، على إبدال الوصايات بحثا عن استقرار ما في بلد يحكمه الاقوياء. وكان صاحبي مقتنعا بأن خدمة القوي المتغيّر تعطي الشعوب الاقل اقتدارا عسكريا، ارتياحا حتى لو استحالت تلك الخدمة عبودية. تأمل عميقا في احوال شعب بوهيميا التي كانت صورة عن احوال شعبه في هذا الاطار.
كان عمر، وهو شاب فلسطيني مقدسي، دليله الى معرفة المدينة وامكنتها خلال يومه الاول فيها. وعمر كان غريبا بلا وطن من والد اتى تشيكيا أيام ازمنة الشيوعية، فكان ان نقل له بعضا مما ادرك عن التشيك.



في زمن الميلاد

شكلت براغ مدينة، ليس فقط للناس بل للدمى المتحركة الخشبية المصنوعة يدويا. دمى تحرس ابواب المحال الصغيرة الموازية للازقة التي ترقبها. دمى بوهيميا كانت خصيات اسطورية تحركها الأهواء الآتية من كل اطراف الشرق والغرب الاوروبي.
وانشدَّ صاحبي الى الساحات الجميلة، المسطرة بأبراج الكنائس والقصور. كما انسحر بعبق أصوات الاجراس وفرق الانشاد الميلادي في الساحات القديمة المزينة بالاشجار الميلادية ومغاراتها الخشبية المتقنة الصنع. احسّ بأن تلك الساحات قد اخذته الى حيث لا يدري والى حيث يريد ان يكون. ساحات براغ المعطرة والمزينة باناس خرجوا من قصصها الجميلة. اناسها هم اولاد الماضي السحيق الذين كانوا في ساحاتها يعدّون لزوارها حلويات ومآكل ومفاتن بوهيميا.
لم يختلف تأثير نساء براغ عليه عن تأثيرات دماها المتحركة التي كانت تخطفه بعيدا جدا ايضا... فتراه يعجب بدمية خرجت لتوها من مجتمع دمى ساعة مبنى قصر براغ البلدي القديم. وبدمية تحركت مبتسمة من وكرها (ساعة المدينة) كي تبلغك ان الوقت يمضي. ثمّ عادت الى حيث اتت كي تدعو شياطين وملائكة محلتها لمشاركتها نقل الرسائل الزمنية الى الناس جميعاً.
ولم تغفل سماء براغ ارسال رقع بيضاء خفيفة، فلذعت الصبي رائحة الثلج والكاستناء والخمرة المسخنة، فحملته الى قصص جدته حيث الامير والاميرة والساحرة والفلاح والكاهن. فأحسّ بالخيال مجددا يحمله الى سقف منزله القرميدي حيث سجلت الاهوية والايام سجلاتها المتنوعة. ضاع الصبي في المكان والزمان، فشعر بدفء الطفولة في خضم برد براغ القارس.
نعم، كانت هذه المدينة مدينة احلامه الطفولية التي طالما حمله الخيال اليها. وراح يتأمل في كل تلك الدمى والابراج والقصور، فانتعش الطفل الذي فيه طالبا من الرجل الانحسار الى غير رجعة. توقف الزمن عنده في تلك الساعة، ورغب لو انه يرجع به الى الوراء. لمَ لا والصبي فيه طالما آمن بالبرد الذي يجمد الاشياء؟
لم يتأخر صاحبي في زيارة طفل براغ الالهي المصنوع من الشمع، والذي جلبته عروس الملك معها الى المدينة. وافاه في مقامه، وانحنى الطفل في محيا الرجل امامه طالبا اليه ان يتجمد، وشخص الطفل الالهي كان مقصد من لا يزال يؤمن في تلك المدينة المتجمدة من القرون الوسطى. شعر صاحبي بأن الرغبات تتحقق اذا ما اتت صادقة وحارة.
كانت جميلة تلك المدينة التي راحت تتغطى بقمصان بيضاء سموية. ولقد كان الاجمل فيها دفء الالحان الميلادية الخارجة من قبب الكنائس. وكان ان ولج الصبي صاحبي الى احداها كي يستمع الى عرض موسيقي ميلادي، فيطوف ايضا في عوالم شوبيرت وهاندل وموزارت وغيرهم.
شرب الصبي حتى الثمالة من خوابي براغ وحضارتها الاوروبية المسيحية. شرب من خوابيها لحنا وصورة ورائحة ومذاقا واحساسا. الا انه احسّ بالحسرة على تلك الحضارة التي راحت تتراجع. حضارة تتراجع لانّ قيمها المؤسسة اضحت في طور الغياب. فكنائس المدينة اضحت بغالبيتها متاحف ومسارح. فاوروبا اليوم اضحت ملحدة، وقد تنكّرت لارثها المسيحي.
اضحت اوروبا ملحدة وتنكرت لارثها المسيحي بعدما جار معظم رجال الكهنة، فانغمسوا في امور الحكم والسياسة على حساب الروح والدين. فكان ان ازدهرت احجار الكنائس وتهاوى ناسها. لذا أضحت أماكن العبادة متاحف ومسارح، وهذا أسوأ ما قد يحصل لها. آه منك يا جحيم فأنت مليئة بصولجانات الملوك والاحبار والكهّان على ما يبدو.



ساحة وينسسلاس

الا ان تاريخ الكنيسة في براغ واحبارها تتوج احيانا بالنضالات والقداسة، فأعدم كهنة لانهم رفضوا الانصياع الا للحق في وجه الاباطرة، كما اغتيل امراء كالامير وينسسلاس، دوق التشيك الذي قتله اخوه لانه تنصر.
وكان ان زار صاحبي ساحة الدوق وينسسلاس الذي اصطبغ قديسا بدمه، وكتب على نصبه المهيمن على الساحة بأن لن يسمح للامة التشيكية بأن تزول. ووقف صاحبي حيث يقف التشيك في لحظاتهم الصعبة. وقف ونصب الدوق وراءه وبراغ القديمة امامه. ثم تقدم الى حيث ارتمى الطالب يان بالاخ رمادا في احضان مدينته. فخرجت من عبق الرماد واللوحة الرخامية موسيقى اغنية "اموت في ذراعيك" للفنان البلجيكي ادامو. وهو كان اعدها لطالب الفلسفة التشيكي ذلك الذي احرق نفسه احتجاجا. فتأمل صاحبي في الموت والاغنية عشية الميلاد، فأيقن كيف يموت البعض بلا معنى، بينما يستشهد الاخرون في اول عمرهم لقضية ما تحيي شعبا ولو بعد سنين. نعم لقد تقهقر ليونيد برجنيف وغوستاف هوزاك، لحساب يان بالاخ والكسندر دوبيك اللذين عاشا في ضمير التشيكيين، فانتجا ثورة مخملية انهت جدارا فولاذيا قسّم اوروبا لاكثر من اربعة عقود.



العودة

حزن صاحبي جدا لمّا اقترب موعد عودته الى بيروت. فبيروت شكلت بالنسبة اليه الواقع المرير الذي صار يهرب منه. الا انّ لا جمال من دون عكسه ولا خيال بلا واقع. وبيروت كانت قدره وواقعه وحبه الاول. دخل مطار براغ وهو يردد بعض الاناشيد الميلادية، متأملا اشكال والوان اللبنانيين المتوجهين الى بيروت.





مازن عبّود


.........................................................................................................................................................................................
جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق