الأربعاء، 28 ديسمبر، 2011

قطار وميلاد وبحار

ثقافة جريدة الانوار 28/12/2011 http://www.alanwar-leb.com/article.php?categoryID=10&articleID=145503 ________________________________________
مازن ح. عبّود كانت مملكته الأجمل، بين ممالك الكثيرة، على الرغم من انها كانت عبثية بحدودها بعض الشيئ، وقد كانت تمتدّ لمئات الكيلومترات المربعة ما بين المرفأ وبلدة البربارة. ولم تكن مدينة البترون جزءا من عالمه، على رغم قربها الجغرافي من مملكته. بل كانت تقع في الضفة الاخرى. وما كان يزورها الا نادرا للاطلاع على احوال انسبائه فيها. وقد جرت العادة ان يصطحبه اهله مع اخوته اليها عند حلول كل موسم ميلاد، وذلك قبيل حلول العيد. وقد كان للميلاد طعم آخر في تلك المدينة البحرية القديمة التي كانت تتزيّن خصيصا للمناسبة. فلم يكن الميلاد فيها جبالا وثلوجا، بل بحر يداعب بقساوة وغضب المنازل والازقة القديمة التي التوت هربا من امواجه. احسّ ببحر البترون قاسيا ومالحا. الا انه ادركه محبا يلتهب رياحا في قعره يخرجها اغنيات واصداء اوبرالية. شعر بسحر البحر والغازه وسحر اطلالاته. نعم لقد احبّ الصبي ان يسير مع رمزي والياس نسيبيّه، في ازقة تلك المدينة. وكان الفتية يسيرون وينظرون بتلهف الى الناس وهي تموج في السوق فتتبضع. كما كانو ينتظرون ميقات وصول القطار. وقطار البترون كان يصدح حاملا بضائعه، محذرا كل من اقترب من سكّته. نعم، لقد ادرك الصبي القطار لاول مرة هناك. فعرفه مجموعة عربات نارية، شابهت عربة مار الياس، تسير بصخب وسرعة على سكة حديدية تمتدّ الى المجهول، الى اوستراليا، ربما... استراليا، ولم لا، فالقارة كانت آخر الدنيا بحسب والدته!! لم يحب الصبي مسلك القطار الذي كان يدخن ويزمجر. الا انه ظنّ انّ القوة هي في الدخان والضجيج. فراح يصرخ ويشعل سيجارة في كل مرة اراد فيها ان يظهر قوته امام رفاقه، وذلك تيمنا بالكبار والقطارات. الى ان ادركته معلمته التي ابلغت والدته بالموضوع. فكان ان نال قصاصا جائرا دون ان يقتنع بعدم صوابية مسلكه. نعم، لم يفقه الصبي يومها، لماذا اعطي الكبار الحق في الصراخ والتدخين، دون الصغار!! ناقش امه وابيه بالموضوع مرارا. فما اقتنع، ولا اقنعهم. حتى اتهم بالوقاحة والقباحة. فشعر بالنقمة والظلم، وراح ينتظر ان يكبر كي يلتحق بالقطار الذي قيل له انه للكبار. وتوالت مواسم الميلاد، وراح الصبي يكسب السنين. وكان كل سنة ينتظر موسم الميلاد كي يزور البترون حيث انسباءه والقطار والزوارق والبحّارة والكنائس المطلة على المياه الملتهبة والمجنونة. الا انه لمّا كبر، وتوحّد البلد. غاب القطار، الذي هجر المدينة التي اقتربت اكثر منه زمنيا. نعم، ما استطاع صاحبي ركب القطار المدوّي. اختفت تلك الالة للابد، واخذت معها الانسباء. نعم ركب انسباؤه قطارهم وهجروا منزلهم الى الاميركيتين. وتغيّر ذلك المنزل الضارب على السكة المهجورة، للابد. تبدل بعد ان تبدل سكانه. ثمّ ادرك انه هو قد تغيّر بدوره. فعرف ان الدخان والصراخ ليسا رمزان للقوة، بل انعكاس للضعف لدى الكبار وعدم الفعالية لدى القطارات. ومازال صاحبي في كل مرة يزور فيها المدينة يتذكر القطار. ثمّ تراه يمضي ماشيا الى الازقة القديمة يلتمس في افيائها اطياف البحّارة واصداء البحار. ويعرّج على كنائسها كي يضيئ لقديسيها شموعا. لم لا والشموع جسر تواصل ما بين المنظور وغير المنظور، وما بين الارضي والالهي، وما بين الحاضر والماضي؟..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق