الخميس، 23 يناير، 2014

جبور يتسلل الى السماوات

راح يحلم بعالم اجمل وببشر من طينة اخرى.  راح يحلم بمدينة سكانها ملائكة وشوارعها انغام وقصصها من منّ وسلوى.  يتدفق من ينابيعها  العسل.  مدينة ملؤها الحياة.  لا يدخل الى اسوارها الحسد والطمع والكبرياء بل الانغام.  ففيها يتساوى الجميع ويعيشون بفرح.  راح يحلم بالحقيقة واليقين وقد ضجر الجلوس في المغارة على امل ان يعاين النور.  
سمع سيارة "الفلايموس" قادمة.  تمخر في فضاء كفرنسيان المحروسة من الله وقد ارخت زمورها.  احضر العم ميلاد معه من طرابلس هذه المرة تابوتا لدفن جاره المحبوب "جبور".  ذاك الذي حمله رضيعا ولقنه دروسا في الحياة ولدا.  لم يكن الشيخ على معرفة بالكثير من امور الدين.  ولم تربطه الكثير من العلاقات بالكهنة ورؤساء الكهنة.  فقد كان خوري كفرنسيان "يوحنا" اعلى مرجع روحي عرفه في حياته.  وذلك بالرغم من انه عاين المطران مرات عدة.  الا انه ما كان يجرؤ الاقتراب منه.  لانه ما كان استاذا وما كان يرتدي ثياب اهل المدن اللائقة او يتقن لغتهم في التخاطب ولا طرائقهم في المأكل والمشرب والسلوك.  انبهر بعكاز السيد وتاجه وثيابه المذهبة.  وفي كل مرة كان يشاهده كانت تنتابه مشاعر متناقضة.  وكان يسأل " هل المطران فعلا رجلا عاديا ام انه منزل من فوق؟؟ هل هو انسان ام نصف اله؟؟".   وكان المطران يوافي الى المحلة مرة او اكثر في السنة.    وهو كان يتأمله عن بعد.  ويرصد كل حركة من حركاته، التي كانت غنية على قدر غنى الليتورجيا في كنيسته القديمة الضاربة في تلك الارض، كشجرة زيتون من زيتون "العويني" القديم التي قيل انّ "نوح" زرعها.  الا انه اكتشف انه انسان عادي عندما دخل الى الحمام.  وحين راح يصرخ على اثر نقاش حاد.
كان "جبور" يصوم بخفر، ويعمل بصمت، ويفعل بتواري.   يقتات من ارضه التي كان يحرثها محبة وعرقا وامان.  كانت عجينته تخرج من معجنه.  وطحينه من قمحه.  وقربانه من موقده.   ما كذب يوما.  ولا اكل حق احد.  كانت الارض كل عالمه.  سلم نفسه الى ربه حتى قيل فيه ان قد اجّر رأسه.  وكان حين يسمع عن خلافات الكهنة ورؤساء الكهنة وطموحاتهم،  يضحك ويقول :" ما بالهم يتسابقون على جهنم". 
تأمل "برهوم" في تلك العلبة التي قيل بانها اعدت كي تحمل جسد "جبور" الى الرقاد.  وفي يقينه انّ الناس مثل "جبور" لا تموت البتة. 
وحصل عرس في كفرنسيان في غروب ذلك اليوم.  رأى "برهوم"  "جبورا" يتمدد في الصندوق.  وقد البس ثيابه اللائقة التي لم يره فيها الا نادرا جدا.  زيّن الصندوق الخشبي، فالنور كان ينضح من وجهه.  وترتسم على وجهه علامات الرضى.  فقد انجز ما انجز، ومضى. 
ما حضر جنازة " جبّور" الكثير من الكهنة.  ولا قدم اليها المتنفذون.  بل شارك فيها كل من عرفه.   وقد حزن على فراقه غالبية اهل كفرنسيان الذين ما توافقوا على رأي او شخص يوما.  


رشّت "نجيبي" الفقيرة على الصندوق ما يقارب مقدار حشوة "غمة"، اي زهاء كيلوغرامين من الرز المصري الممتاز، حتى قيل لها "كفى".  


 والقت له "اماندا" افضل ما عندها من "قويلات".  وقرأ  "جرجي الرسول" في دفنه الرسائل مع كل التطويح والمستلزمات.  والخوري القى عظة رنانة، احبها الناس للمرة الاولى.


افتقدت اجران "كفرنسيان"  المحبوبة للحمة الكبة في تلك الايام.  وطلّقت السكاكين البقدونس.  اما الخورية فقد سمعت تصدح:" يا بشر تعالوا فانظروا.  انّ وجهه ينضح نورا!!". 


وابلغ "نسيم"، جار المدافن، الخوري بانه عاين ليلة دفن "جبّور"  شهبا من نور يمتد من قبره الى السماوات.  شهبا لم يكن بسبب مفرقعات "المحترم" ولا بسبب حرائق "الحاج نقولا" عبد النار.  فنفس "جبّور" صعدت الى السماوات.  وأنارت كل ارض "كفرنسيان" البائدة، وما فوقها. 
قيل انه تسلل الى فوق على غفلة من الجميع.  تسلل وغالبية الكهنة ورؤساء الكهنة والمثقفين تتلهى بالنزاعات والمهاترات والقصص والروايات.  اقتحم السماوات هكذا من دون علم او فلسفة او اذن مطران.  اقتحمها ببساطة والكل صفّق.   فسلم الوصول الى الديار لم يكن فهما وعلما وفلسفة وعلاقات.

تامل "برهوم"  في ذلك،  فعرف انّ ديار "جبور" كانت المدينة التي حلم بها.  اما "كفرنسيان" فقد كانت محطة او صليبا ليس الا!!!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق