الأربعاء، 15 يناير، 2014

برهوم ورحلة الحلم


بقلم مازن ح. عبّود
ابصر "برهوم" نفسه ليلة امس في المنام جالسا قرب دكان المعلم "شفيق" التي تتوسط سوق "كفرنسيان" المتشعب حتى آخر الدنيا.  فرح لانّ المعلم "شفيق" عاد ففتح دكانه التي التهم بوابتها وامخالها العفن.  ونبت في افيائها النسيان والضجر والفراغ.  اكتشف بانّ تلك الدكان مازالت بوابة العوالم والازمنة الغابرة.  حوائطها مازالت موطن تذكارات وخرائط وجرائد.  حلّق طويلا فوق رفوفها الفارغة.  فوجد اشلاء رسوم وينستون تشرشل وستالين وهتلر التي خربش عليها الاهمال ولوّنها الزمن. 
قال انه عاين المعلم "شفيق" جالسا، كما ايام زمان، على كرسيه المعهود هناك يلقي بنظراته على المارة.  راح يتأمله، كما في فتوته.  انصت الى كلماته التي راحت تأتي مصبوبة على جنبات دروب نفسه كي تعيد رسم اطرها وحدودها.   وامسك المسافر العائد سكينه وليمونته التي راح يقشرها ويمضغ بعض لبها.  وراح يتلو عليه بعضا من قصص وويلات الحرب الكونية الكبرى (الحرب العالمية الاولى).
اصطحبه عميقا في المغاور والجبال والهضاب الى ماضيه.   فأراه كيف غصّت مقابر كفرنسيان بالضحايا ازمنة الحرب الكونية حتى ما عاد لمن يموت مكان يركن فيه.  اسمعه عويل الناس.  وزار واياه كرم "جميلة " الذي سمع انّ المياه المقدسة قد ابعدت عنه الجراد، الذي التهم الاخضر واليابس من حوله، دون ان يقترب منه.  جلب من الكرم المبارك عنقودا احتفظ فيه للايام الصعبة.
ثمّ شاهد رفيقي كيف كانت الاطفال تتخابط للحصول على قشرة الليمون التي سقطت من سكين احد وجهاء "كفرنسيان" المحفوظة بالنسيان.   سمع بكاء وويلات في كل ناحية.  حتى قيل انّ الارض افلقت ومن تحت الارض ناح على من فوقها.
اراه امرأة حافية القدمين.  نخر الجوع وجهها الذي كان مألوفا له.  وقد حملت رضيعا.  وراحت تكسح ثلوج الجبال ووعورة البراري كي تصل الى بعلبك مشيا.  فتحظى ببضعة ارطال من الحنطة.  فتقي عائلتها وحش الجوع.  احسّ بانه قد القتاها قبلا يوما ما، في مكان ما!! عاش آلامها وآمالها واحباطاتها.  رأى الموت مرارا يحاول اقتناصها دون ان يتمكن من ذلك.  سمع انينها.  ودمعها ملّح مياه نفسه.  سحر بها اذ انها ابت ان تقع في قبضته.  فعائلتها كانت احق بها، كما كانت تقول.  ولمّ مضى عنها ابلغه المعلم "شفيق" بانّ تلك المرأة كانت امّ "يوحنّا" جده. ولو انها لم تسلم، لم كان قد ولد هو.  استكان عميقا جدا. لو عرف ذلك لكان حمل عنها الطفل والحبوب!!  لو عرف لم تركها!!  لو عرف لكان قبل قدميها الداميتين، شاكرا لها افضالها.
ثمّ اراه المسافر العائد كيف انّ الملعون كان يختال في كل تلك الانحاء.  ويحصد الاجساد لكن ليس الكثير من النفوس.  فقد كان للناس دين بعد.  وقد كان لهم قلوبا.    كان  "شفيق" يبكي وهو يبكي معه.  فالظلم كان كبيرا.  والمعاناة غيّمت.  وظللت المكان حتى اعتقدا انّ الزمان تسمّر هناك.
حصل هذا وسقطت ممالك ونشأت ممالك.  وقع سلاطين وتكوّنت عروش.  فالسلطة لا تنتقل الا سباحة في بحر من الدماء.  صنعت نظريات لخدمة الحرب.  فللشيطان فلاسفته ايضا.  وقد رحّب الناس بالحروب مع اندلاعها.  وصفقوا لها،   مؤمنين بحتميتها وضرورتها، تماما كالعاصفة. 
انتهى المشوار.  فدعاه المعلم "شفيق" ككل مرة يطيب فيها الحديث الى القدوم الى منزله لتناول "الكبة" مع "العرق".  الا انه لم يشأ ان يمضي معه.  لانّه حيث كان يستقر الزائر قد اضحى بعيدا ومستحيلا على اصحاب الطبيعة البشرية. 
ووافى الصبح.  غسل "برهوم" وجهه.  تصفح جرائده.  فوجد انّ ذاك اليوم قد تزامن مع ذكرى اندلاع الحرب الكونية الكبرى.  فشعر ان الارواح تناديه للصلاة من اجلها.  انّ الارواح تناديه وتنادي اناس جيله للتأمل في الحرب وويلاتها.  فكل ما يجري اليوم في عالمنا بدأ على ما يبدو يؤسس لحرب كونية جديدة.  فالانتقال من العصر الامريكي لن يمر من دون بحر دماء.  حدق طويلا في جريدة اجنبية فوجد ما سجّله الزعيم البريطاني "وينستون تشيرشل" في مدونته قبيل الحرب الكونية: "تحكّم مزاج غريب في الجو.  تحوّلت الامم غير المكتفية بثرواتها ومقدراتها الى الحروب والنزاعات والعنف. تصاعدت المشاعر القومية بشكل غير مبرر في ظل تراجع ادوار الدين، فحرق البشر كل شيئ.  فكأنّ العالم احب ان يتعذب.  وقد تجرأ الناس في كل مكان على المضي في المحاولة".   فأحسّ ان كل ما حصل معه، انما حصل كي يستفيق ويدرك.  ومضى الى عمله وفي باله كل تلك الاشياء التي قرر ان ينشرها كي يدرك اهله ذلك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق