الثلاثاء، 4 مارس، 2014

كلمتي في حفل توقيع كتابي "اناس وازمنة من امكنة" في دير سيدة البلمند البطريركي في 28 شباط 2014

غبطة السيد البطريرك انتم مشكورون على رعايتكم واستضافتكم لي في افياء دير يعني لي كثيرا.
صاحب السيادة، واصحاب المعالي والسعادة، وقدس الاباء، والسادة والسيدات انتم من تجعلون هذا الاحتفال برّاقا يتلائم مع الهدف الذي صمم لاجله. 
لكن قبل ان اوقع كتابي اود ان اوجه بضع كلمات الى حجارة دير سيدة البلمند البطريركي العالق نغما ملائكيا وصورة فردوسية في يقيني منذ صغري.   
في البدء كانت روح الله على المياه نغمات حتى قبل ان تطفو اليابسة ويستولد منها بشر وكلمات.  وصار للبشر معابد.  وفيها استقرت النغمات.  فتكحلت حجارتها بقصص وتنهدات.  والى حجارة البلمند احمل اريج ارض المثلث الرحمات انطونيوس بشير.  احمل اليها شذا ذكرى صبي عانقته وصيرته حبرا لهج بربه.  واقام لجماعته صروحا من معنويات.    احمل اليها قصص "جبور" و"حبقوق" و"فوتين" وغيرهم معدلة ومكثفة.  وغالبيتهم قد رقدوا.  اطل من هناك على العالم حاملا همومها وواضعا اياها على اقدام ذلك الذي كان يوما ناصريا ومن بشرتنا.
نعم، أتراني انظر فيك يا حجارة.  اعانقك واقرأ ما بين سطورك قصصا سطرها من سبقنا.  والحاضر الا ومضة امام كم التاريخ المتراكم.  لسنا نحن الا قصة صغيرة امام الملاحم الكبيرة التي خطها قديسو انطاكيا.  ايا حجارة انك تفيضين رجاء ودروسا.  قول يا حجارة باننا قاومنا كل موجات الامحاء والتخوين في الشرق.  قول يا حجارة بانه على الرغم من العثرات في علاقاتنا مع المسلمين كان هناك مساحات تفاهم وتبادل وغنى.  قول انّ التطرف سرعان ما يزول ويبقى الاعتدال.  قول اننا صدرنا الى الغرب حضارة التفاهم والانفتاح فتبنوها هم، لكن انكون استوردنا منهم حضارة الالغاء التي اضحت لنا كما يقول امين معلوف في كتابه "الصليبيون كما يراهم العرب"؟؟
اقف عشية الصوم كي اقدم رغيفا واحدا لامة من المنكوبين.  فعمق الازمة كبير وقعر محيط دموعها المالح لا يدرك.  الا اني اقدم اغلى ما عندي.  واغلى ما عندي كلمات.  والكلمات اذ لم تشف، تبلسم وتعزي.
غدا يبدأ الصوم، ومستوعبات نفاياتنا تغصّ بالاطعمة، ولا رغيف واحد لمنكوب او جائع!!!    يطل الصوم وقد اعلن كل منّا استقلال جمهوريته عن الآلام  والمآسي المحيطة به. 
 يوافي الصوم وتحضر صورة جدتي امامي.  تلك الفقيرة التي كانت تضرب على صدرها قائلة: "ارحمني يا رب، فانا امراة خاطئة".  وانا ما استطعت ان اكتشف خطيئة واحدة صنعتها.  فقد غرقت خطاياها القليلة في بحر فضائلها.  ما كانت عالمة في الدين ولا في السياسة او الادب.  كان دينها ان تقتطع من حاجتها لاعالة الفقير والمشرد.  اشعر بحقارتي امامك يا جدتي وامام من هم من طينتك.  اشعر بعدميتي امامكم.  اليكم اقدم خربشاتي.  واقدمها ايضا اليك يا طفلي "ديمتري" الذي واشكت على المجيئ كما اهديها الى امك، رفيقة دربي صفاء.  واني اكتب من اجلك يا عزيزي كي تقرأ عن حضارة ابيك وعمك مروان وعماتك ميرنا ومايا، فتعرف كيف كنّا نعيش وكيف ادركنا العالم.  فالخشية كل الخشية يا عزيزي من ان تلتهم العولمة كل شيئ من حولك.  ومن هنا من البلمند ارفع الصوت عاليا كي لا تنمحي حضارتنا ويزول تاريخنا.  اقول باننا سنقاوم موجات الابادة والعنف والتطرف والظلم والخوف والالغاء والموت.  هذا قدرنا. وهذه معركتنا.  نعم، فمعركتنا ان نبني عالما اكثر حرية وانفتاحا ورغدا يعيش فيه الجميع بأمان. املنا ان نبني عالما يشبه السماء.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق