الخميس، 6 مارس، 2014

ذكريات مرصَّعة









حبيب يونس
مازن عبّود، هو الموقِّع أعلاه، على قرميد الذَّاكرة، بدهشة عيني طفل، وما قرميد دوما سوى موطئ جناح، نادته الفضاءات فما تعبت من صفقه، هو الموقع أعلاه، على مصطبة الوجدان، بأصابعَ من فراشاتٍ وعصافير، وعلى قبَّعات الشَّجر في جرد دوما، بقدمين حافيتين، وعلى حفافي الحقول، بشمسٍ من عينيه لا تعرف المغيب والأحلام، فجمع تحت جناحيه مطارح ووجوهًا وأحوالاً وشهادات. وكمن يكسر كأس عرق، جاء بأمكنة تنبع من عينين صافيتين، وبأزمنة مقطرة مثلثة أصيلة، ليطفح الكوب بقطعة ثلج من روحه، هو الموقِّع أعلاه، بحبر النُّوستالجيا، على حيطان السُّوق القديمة، وأبواب محالِّها، وأكياس الطَّحين والبرغل فيها، في هذه القرية الَّتي وعيتُ على حكاياها يرويها أجدادي ووالداي والأقارب: عملنا مشوار ع دوما تَ نتموَّن.

هو الموقِّع أعلاه بنبض النَّاس ووجوههم وقاماتهم، وبتربُّع طربوشٍ على رأس من هنا، ولِيَّة شروال تتأرجح من هناك، وبطعم عجينة زلابياء من هنالك، وبشجرة ميلاد قُطعت من إنجيل، وزينةٍ لها أُعِدَّت من قلوب وفرح... يكتب على دفتر سيجارة حمويٍّ، ولائحة قيد انتخابيَّة، وشبيَّة صلاة، وسندان كندرجي، وغبار مقلع، وبرنيطة عثملِّي، بأسلوب واحد وقلب واحد وحنين واحد وذاكرة لا ثقب فيها، لا بل مرصَّعة هي بدرر الزَّمن الجميل، قبل أن تصبح قِبلةُ النَّاس بوتوكسًا على شفاه هذه، وسيليكونًا في صدر تلك، وقبل أن تتصحَّر جبالنا، لأنَّ ثمَّة من يريد أن يعمِّر أبراجًا ومبانيَ ليُسكنَ الناس وقد ضاق قلبه بمُحبِّيه، أو يبيعَنا فحمًا نتدفَّأ عليه شتاءً، وقلبه علينا من ارتفاع سعر المحروقات، أو ننفِّخ عليها، تلك الأركيلة وثقافتِها الدَّارجة معسَّلة، بعد أن نعمرَّها ونكركر، وقد بتنا، في معظمنا، أسيادًا في الغرغرة ولَتِّ الكلام وعجن التَّفاهات.
هذه كانت حاله في الجزء الأول من الكتاب، صبيِّ المحلة الموقع أعلاه. وما بدَّل حالًا، إلا ليوسِّع دساكر القرية، فيجعلها ساحاتِ مدن كبيرة، وليعلي شجر الروح في اللقاءات، لتتظلَّلها النفوس والقلوب والقامات، وليكتب بأصالة ذاك الجرد قيم العالم.
هو الموقِّع أعلاه، صبيُّ المحلَّة، كأنَّه بطل قصَّة الدَّايم دايم، سلام عليك مارون عبود، سلام وقبلة عين كفاع، كأنَّه حكاية في حكي قرايا وحكي سرايا، ومن اسمه تحيَّة لسلام الرَّاسي وإبل السَّقي، كأنَّه رضا أنيس فريحة، سمع من أبيه كثيرَ حكايات، وعاد يستظهرها في غير مكان وزمان، لأنَّها هي ما تغيَّرت. مرحًى بفيء صنوبراتك أبا رضا. كأنَّه قصيدةٌ في ديوان شيخ الغيم وعكَّازُه الرِّيح، يعبر من ضفَّة الدَّمع إلى ضفَّة البراءة، نهرًا من دعاءات أمٍّ وعرق أب... إليك كلُّ الحبِّ جوزف حرب حيث أنت في علياء عليائك، كأنَّه عُربةٌ في صوت فيروز، وهي تغنِّي للطَّير الطَّاير على طراف الدِّني، وقد تشرَّفت بها دوما وشرَّفتها، حين استضافت عرش الرَّحبانيَّين ذات شريط سينمائيٍّ، وذات إبداع، كأنَّه كلٌّ منَّا، كأنَّنا هو جميعُه، وكأنَّ النَّموذج الذي اختاره لحكاية في ذكرياته الأنيقة حقيقةٌ من لحم ودم، قبضنا عليها بكلتا العينين وبكلا الروح والمعرفة، ذات يوم، كلٌّ في قريته أو مدينته، فرأيناها ولمسناها وحادثناها وسمعناها، حتَّى
إذا خرجت من ذاكرة صبيِّ المحلة، بدت أحلى وأشهى
وأعمق.
هو الموقِّع أعلاه، على جبين الصِّدق، وعلى نبض الحنين، وعلى أجنحة النفس والروح، يتنازل لنا، برضاه، عن كلِّ ما في ذاكرته، فيقاسمنا إيَّاه، قربانة كلمة لا يتناولها إلا المؤمنون بها، وقد غُطَّت بخمر معتَّق في خوابي أديرة الحبر.
مازن عبود، أيها الصَّبيُّ المملوءُ نعمةَ ذكريات، ترفأُ بها ثوب حضورنا التَّائه بين فعل الاقتناء والرغبة في الاستهلاك وخداع المظهر، الصَّارخ في برِّيَّة الماضي تستعيده على حصان الورق فارسًا مكلَّلاً بزيتون دوما الجليل الوقار، يا مازن، يا صبيًّا ضاقت به ساحات الحنين، لا تَرُحْ إليها وتلعبْ هناك، كفاك ترتكب طفولتك والمراهقة. تعال والعب على مدخل قلوبنا، وادخلها ساعة تشاء، وحين تتعب ويغلبك النعاس، خبَّأنا لك فيها وسادة من تفَّاح تنورين، وغطاءً من قرميد دوما، وبخورًا وشمعًا من دير البلمند، وفراشًا من نبض وطُمأنينة وسنابلِ فرح. فاستغرق في نومك، حانَ موسم قِطاف الأحلام والدَّهشات.
يا مازن... يا أبًا عمَّا قريب... قل لي، بربك: من ستحب أكثر؟ مولودك المن ورق وحبر وذكريات؟ أم مولودك المن لحم ودم وذاكرة؟
كبرت عائلة الصبي...
لكنه سيبقى صبيَّ محلة، تدور عليه أمكنة وأزمنة، تدور عليه القصص، ولا يتعب.

كلمة حبيب يونس في توقيع كتاب مازن عبود قصص وأزمنة من أمكنة، في دير البلمند 2 آذار 2014


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق