الجمعة، 7 مارس، 2014

ايفلين قارئة الفنجان

امسكت "كوكو" فنجان القهوة.  ارتشفت منه الشيئ القليل، قلبته على الصحن.   وراحت تنتظر بفارغ الصبر وصول دورها كي تفك "ايفلين" لها ما تخبئه الايام.  فالمستقبل لغز، وايفلين للمستقبل خير ترياق.   فهي المرأة الاكثر نفوذا في كل "كفرنسيان" ونواحيها.   وافت "كوكو" اليها محملة بالفجل وتساؤلات.  كما قدمت الى هناك "لولو" المتفرنجة ومعها قالب حلوى يشبهها كما كانت تشتهي ان يقال لها.  فهي مازالت تظنّ بانها جميلة وصبية ومتألقة.  وكل همها اخفاء عمرها.  لذا قررت الاستقالة من وظيفتها قبل ان تبلغ السن التقاعدية بأيام كي لا يقال بأنها كبرت.  بل كي يقال بانها استقالت لاسباب وطنية.  فتشغل "كفرنسيان" كما دوما باناقتها ومعشرها واخبارها ولغتها المطعمة توابلا امريكية ولكنة فرنسية وكفرنسيانية وعصفورية.  حتى قيل انّ علماء الالسنية اضحوا يتتبعون ما تقول كي يضيفونه الى اللغة كما كانت تقول.

امسكت "ايفلين" فنجان "كوكو" وقلّبته.  فحذّرتها من انفجار طنجرة ضغط في المطبخ، كما من تسريب معلومات.  ثمّ رصدت الفنجان بتأن مجددا.   حركته كانها تحرك الكوكب الحاوي للمسكونة.  تطلعت فيه حتى دخل الى عمق عينيها.   درست كل جزيئة بن علقت.   وتتبعتها حتى نهاية الحكاية.   فخرائط البن العالق، تكشف الاسرار.   ودخلت النسوة في صمت مهيب بانتظار خروج الكلمات.  في زاوية منزلها قبع تلفاز ظهر فيه بطريرك روسيا وبطريرك انطاكيا يحتفلان معا.   رمت نظرة الى التلفاز.  وصرخت :"مسكينان لا يعرفان شيئا!!".  شدّقت فمها.  وانطلقت العلكة تدور في جنباته ما بين الاضراس.  وتابعت: "اما انا فبلا".

وكانت "لبيبة" حاضرة.  فعصفت من جوفها غازات دفيئة وغير دفيئة تسببت باحترار في الغرفة.   فاهتزّ المنزل الذي كان النسوة فيه يجلسن.  فرحنّ يرسمن اشارة الصليب على صدورهنّ، خوفا.  انبرت "ايفلين" ورمقتها قائلة: "الغمة المحشية ما عادت تناسبك يا امرأة".   فهدّأت من روعهنّ.  سألت "لبيبة" ان تعطيها فنجانها كي تقرأه لها وتصرفها.  فللغمام المحشية في الفناجين لا تطاق.  حملت الفنجان.  تطلعت فيه عميقا.  استجمعت افكارها، وصرخت: " الله يستر.  ارى شبابا جائعا الى العذارى في كفرجهل المتاخمة لناحيتكم.  شباب يتحول الى قنابل بلحظة لقضاء ليلة مع حورية او كي تتم دعوته الى وليمة.  الا فافتحوا لهم غرف نومكم يا نساء.   قدموا لهم الحنان كي تسلموا".   وامرت "ايفلين" حاكم "كفرنسيان" ان ينزل عسكره الى الشارع.  والعسكر كان كناية عن ثلاثة عناصر.  احدهم طويل وثانيهم قصير وثالثهم بصير. 

واخيرا، اختتمت الجلسة بفنجان "لولو".  وقد طلبت اليها ان تخسر وزنا.  فالموسم موسم صوم.  والصوم في عصرنا يعني "ريجيم" اي حمية للحفاظ على المحاسن.  فالمهم ان لا يدشر الرجال.  كما طلبت اليها ان تعلق حذاء مقلوبا على الشباك الموازي لجارتها كي يزول شرها. 

وكان يتردد على "ايفلين" ايضا كل من كان يريد عروسا او عريسا طالبا مشورتها.  فبيتها كان منزلا بوظائف عديدة.  وقد كان موقعه استراتيجيا.   قيل انّ مشاويرها كثرت الى العالم الجديد مؤخرا.  فعلى ما يبدو  بأنها اضحت تجني فلوسا كثيرة.  الا انّ مصدر اموالها كان مجهولا.  اضحت المرأة الاكثر نفوذا في "كفرنسيان" وكل نواحيها.  حتى قيل انّ تأثيرها المعنوي على الناس فاق بكثير تأثير الخوري وخوريته.  اشيع بأنها اضحت معروفة في نيويورك وباريس وكل عواصم القرار. 

وقد راحت تأخذ مقاسات جميلات "كفرنسيان".  وقد ساعدها ابنها "نيكي" في استعمال "الماسورة".   رفدتهنّ بخبراتها في المشي والحكي والتبرج والجمال.  فقد ارادت لهنّ ان يتقدمن لمباريات الجمال فيساعدن الاهل في كسب مصروفهنّ.  فتصير "كفرنسيان" بلدة الجميلات ايضا.  لم لا والله يحب الجمال!! ايفلين كانت بدلا عن ضائع.  والضياع كان ابن الفراغ.  والفراغ اضحى من سمات هذا عصر الحرية الفردية حتى الانتحار.  تألم "برهوم" من ذلك كثيرا.  الا انّ وحش الحضارة كان كبيرا.  اكبر من ان يغلبه انسان.  لم ييأس فقدره كان ان يواجهه في داخله وفي كل مكان.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق