الخميس، 20 أغسطس، 2009

كلمتي في زيارة الرئيس السنيورة الى دوما








دولة الرئيس
علّ اختياركم دوما لاختتام زيارتكم الى قضاء البترون، مع افول حكومتكم الثانية، يشكل رسالة رمزية كبيرة. لانّ نهاية مرحلة من مراحل مسيرة اي بشري يتوجب ان تكون كبدايتها مسكا. وانتم يا دولة الرئيس قد حكمتم البلد في اشد المراحل دقة وصعوبة، فكثرت حولكم التحليلات والاراء المتناقضة. نرحب بكم اليوم في سوق دوما الذي اشتهر ايضا بالمسك والوطنية والتنوع والحياة الاجتماعية والسياسية.
انّ دوما المشعة بمدنيتها وديمقراطيتها (منذ القرن التاسع عشر) التي ما اختزلها يوما فرد ترحب بكم. كيف لا وهي فسحة التفاعل ما بين الجميع من اجل بلد افضل، بلد حر وسيد ومستقل ومستقر ومزدهر. انّ دوما التاريخ تفخر بقدوم رئيس حكومة لبنان اليها. وهو قد بادلها رسائل الغرام بواسطة الوزير طارق متري والمهندس نبيل الجسر و السيدة ندى السردوك وغيرهم، يوم قرأ كتابي "دوما، حكاية قصبة مشرقية". علّكم احببتم فيها انفتاحها على كل الافكار، اسواء لبنانية كانت ام عروبية او اقتصادية -عالمية المنحى!!!
دولة الرئيس اعتقد بأنّ مغزى رسالتكم (عبر اختياركم دوما) لاختتام يومكم البتروني الكبير قد وصل. واني بتواضع اقرأه كالتالي: " ان رئيس وزراء لبنان يتوقف امام تجربة هذا النموذج ويحييه، بكونه صورة حقيقية عن اللبنان الذي يشتهيه". فدوما هي بلد الاختلاف و لا العداوة، ومقام الحوار التي وقفت ضد الهيمنة العثمانية (فكانت واقعة القشلاق) والانتداب. دوما البلدة التي اختارها ناصر صفي الدين وعصبة عمله القومي لنشر افكارهم ازمنة الملك فيصل، والتي كان قد سبقه الى تقديرها فخر الدين ويوسف بك كرم وغيرهم من رموز التحرر من العبودية.
دولة الرئيس، علكم تقفون اليوم حيث كنتم تحلمون في لا وعيكم ان تقفوا، فهنا انتصب جميل مردم بك والاتاسي وابو علي سلام وغيرهم من زعماء سوريا لبنان في مطلع القرن الفائت، بعد ان نفتهم سلطات الانتداب، وبلدية دوما كانت ورائهم تحمي ظهورهم. كيف لا وهي من اقدم سلطات الحكم المحلي في المشرق!!!
دولة الرئيس حسبي انّ الناس والحكام تتغير، اما الارض والحقيقة فلا. وتبقى الارض كي تشهد لكل الفصول والمواسم.
دولة الرئيس انكم تنتصبون في قلب قصبة من مشرق انقضى، وشهد لتفاعل العروبة مع الغرب. فالساحة التي تستضيفكم الان، سميت تخليدا لصداقة مع فرنسا، تجاورها اخرى على بعد امتار، خصصت لمهاجري كاليفورنيا، وهي تضم ناوسا يونانيا يؤدي بك جنوبا الى شارع يحمل بصمات روسيا (المدرسة والمسرح المسكوبي). ويختلط كل ذلك ويتواصل مع قهوة زقاق شرقي شهد لولادة المسودة الاولى للدستور السوري. غريبة هي دوما، غريبة كهذا اللبنان المجنون، لما لا وقد شكلت يوما عاصمة ناحيته الجردية. اذ انّه قد بدأ اولا من ها هنا، اي من البقعة الممتدة ما بين وادي قاديشا وصولا الى وادي نهر الجوز (بحسب المؤرخ كمال الصليبي).
دولة الرئيس ارجوا ان تبقى دومتنا انموذجا لما نحب ان يكون بلدنا عليه من حكم للمؤسسات. واننا نقول لكم ومن دوما، بأننا نتوق الى حكم الدولة لا الطوائف والقبائل. نريد مجتمعا مدنيا ناشطا يحاسب ويسائل. نريد دولة تتبع معايير الكفائة والجودة في ممارساتها. وانّ لا حياة لنا دون كل ذلك.
اصحاب المقامات، اسمحوا لي قبل ان اختتم كلمتي، ان اشكر صديقا عرفته جسرا نبيلا. عنيت به، سعادة رئيس مجلس الانماء والاعمار- الصديق العزيز المهندس نبيل الجسر الذي خبرته يعمل من موقعه بعيدا السياسات الضيقة. عرفته يقوم بما يقتنع بجدواه للبلد والناس، وها هو اليوم يقوم بمباركتكم، ووفق الاصول القانونية، بالعمل على تأمين التمويل لمشروع تأهيل سوق دوما. لما لا وهو سليل الشيخ محمد الجسر، ذلك الكبير والركن في لبنان الرسالة.
نهاية، نشكر الدولة على كل مشاريعها واهتمامها غير المشروط بنا، ونرحب بكم يا صاحب الدولة افضل ترحيب في دومتنا. وبالمناسبة نسأل العليّ ان يفك رباط ما قد تعثر، لاننا نخشى ان يستحيل تعثر المؤسسات الى قاعدة يتعود الناس عليها.

الكاتب مازن ح. عبود
عضو معهد الصحافة العالمي

دوما في 19-8-2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق