الثلاثاء، 4 أغسطس، 2009

إيليا النّبي مفضّل عند بعض الناس لقوته وجبروته ولأنه "قطّاع رؤوس"







الأحد 02 آب 2009 - السنة 76 - العدد 23773 جريدة النهار
إيليا النّبي مفضّل عند بعض الناس لقوته وجبروته ولأنه "قطّاع رؤوس"أفدوكيا تلعب معه لعبة "الطرّة نقشة" وتأمل بصلواتها له أن تصير اليصابات الثانية!
"الاغنياء افتقروا وجاعوا اما الذين يتقون الرب فلا يعوزهم اي خير". ترتيلة من العهد القديم اعتاد "الخوري جريس" ان ينشدها، بصوته الجهوري المتماوج في رتبة تبريك "الخبزات الخمس" الاحتفالية، التي تقام عادة عند غروب عيد كل شفيع للمحلة.
لقد حمل المناضل الكبير "ابي الرز" كلمات تلك الترتيلة في قلبه، ذلك القلب الخفّاق الذي يحمل في عروقه دماء الطبقات البروليتارية المناضلة في سبيل ارساء عالم اكثر عدلا. ما كان "الرفيق المناضل ابو الرز" يحضر القداديس والصلوات، الا مرة واحدة في العام اي عند اداء ترتيلته المفضلة تلك، في غروب عيد رجل الله-ايليا التثبيتي. وهو قد عشق شخصية ذلك النبي الغيور على مبادئه، والتي كان يعتبرها تشبه الى حد بعيد شخصية الرفيق ستالين-بطله المفضل، بقوتها وجبروتها. ولكم سمع يتمتم في الكنيسة مع الخوري: "خيّ راحوا فلوسك يا هيلانة لابي الرز واولاده الجياع".
إيليا رجل الله... والصبي
اكتست شخصية ايليا النبي ابعادا خاصة في المحلة التي اتخذته شفيعا لها، فتسمى غالبية ابنائها على اسمه حتى اضحى التعريف بالناس مستحيلاً من دون ذكر القابهم، فضاع الهدف الاساس من التسمية. وايليا التثبيتي تميّز بقوة روحه، الى حد انه حجب المطر عن الارض ومن ثمّ اعاده، كما اقام ابن الارملة، واكثر زيتها وطحينها بحسب "سفر الملوك" من العهد القديم. ثمّ انّ رجل الله بحسب "منيرة" قتل بالسيف انبياء بعل وعشتروت بعدما التهمت نار من السماء اضحيته المبتلة ماء. الا انّ اكثر ما كان يعجب الصبي، كان منظر النبي صاعدا على عربة نارية الى السماء، واليشع ينظر اليه متلقفا ثوبه الذي عاد فقصّ به نهر الاردن شطرين. وعلى ما يبدو فإنّ صبي الامس احبّ ايليا اكثر من غالبية القديسين، وقد يكون ذلك نابعاً من اعجابه ببطولاته. فالاولاد عادة يعشقون الاساطير. وهو قد سمع الكثير منها يتلوها على مسامعه اخ جده من امه "نقولا"، اساطير كانت بغالبيتها حول الاقدمين من اصل عائلته. احبّها لانها كانت سلاحا لتمزيق الواقع المحدود والمذري لكل انسان ويستحيل عليه قبوله. احبها لانها كانت وسيلة سهلة تطلق العنان للخيال. نعم لقد عشق الصبي الاساطير لانها شكلت ثقافة بعض اقاربه ممن عاشوا في عوالمها، فاستحالت حياتهم حكايات ومغامرات وهمية، واضحى كلامهم من كذب ابيض او من عوالم اخرى. صلاة الغروبقبيل حلول عيد نبي الله، الغيور على دينه وربه، كان الصبي ينبري ورفاقه لمساعدة "هدى" امرأة نسيبه في تنظيف الكنيسة. فالنبي الاسطوري هو السابق الثاني لحضور المسيح، وقد كان حاضراً دائماً في بال أهل محلته كلّ على طريقته. لذا، فانه كان يتوجب على الفتيان والفتيات المشاركة في الاعداد لعيده.ولكم تمتع ذلك الصبي بسماع القراءات الثلاث من "سفر الملوك" تتلى على مسامع المشاركين في صلاة الغروب من فم شيخة النساء والقارئات "راحيل". احبّ تلك القراءات بوجه الخصوص لانها كانت حول ايليا التثبيتي-اعظم الانبياء واقربهم الى السيد المسيح. ولقد جرت العادة في كل سنة ان تقوم "ايزابيل" امرأة "بريص" باعداد الخبزات الخمس لتبريكها خلال الصلاة وتوزيعها على المشاركين. لم يعرف الفتى لما كانت "ايزابيل" بوجه الخصوص تكلف بتلك المهمة. فحلل الموضوع وخلص الى استنتاج أنها كانت تقوم بذلك تكفيرا عن خطاياها وخطايا الملكة "ايزابيل" التي قتل لها ايليا التثبيتي انبياءها وكهنتها الكذبة. الا انه عاد فاكتشف بأنّ الامر لم يكن مرتبطا بالكتاب انما بالعادات ومحبتها القديس.احبّ صبي الامس كل تلك الطقوس والناس في عيد رجل الله، الا انّه لم يفقه لمَ آثر قومه تصوير ايليا في الايقونة وهو ينحر كهنة البعل، رغم انّ رجل الله ذلك قام بالكثير من العجائب الاخرى اللافتة والاكثر اهمية. ومع مرور السنين ادرك ان ناسه يحبون ابطال المعارك الكلاسيكيين، كيف لا وقد عاشوا الكثير من القمع خلال مسيرتهم في هذا المشرق العربي. امور افقدتهم رجاءهم، فأضحوا يخافون، حتى استحالوا اقليات ولم يعودوا اهلا لدارهم المشرقي! لم يقتنع بتلك الايقونة التي كانت عنفية، فتعارضت مع المسيحية التي هي حضارة التسامح، فالناصري صلب حسدا وظلما كلص على صليب عريانا، من دون ان يفتح فمه.
رجل الله وقوم المحلة
وعيد ايليا لم يكن فقط صلوات، بل كان دق اجراس والعاباً نارية وايقاد حرائق كان يستلذ، واولاد حيه، باشعالها ليلة العيد في مواقد صنعوها خصيصا للمناسبة، بعدما جمعوا بكد ما توفر لهم في الحقول من بقايا الحطب لهذه الغاية. ولكم تبارت احياء المحلة على جودة الحرائق المضبوطة وضخامتها. ومضت الايام وتبدلت الوجوه حتى اضحى رجل اليوم يسترجع، مع حلول هذه المناسبة، اطياف شخصيات ارتبطت بالعيد وبتاريخه كـ "الياس عيسي" الغيور على مصلحة الكنيسة والمحب لاولاد، و"افدوكيا المغمورة" التي كانت تدّعي انها تلعب مع النبي، لعبة "الطرة نقشة".
افدوكيا
كانت "افدوكيا" باختصار، أرملة عاقراً، وطاعنة في السن. وقد ارادت ان تحبل على غرار اليصابات وتلد صبيا، لكن من نبي الله. ولمّا لم يستجب طلبها، نقمت على المجتمع، فراحت تشاكس الجميع وتقارعهم. الا انّ "افدوكيا"، ورغم ذلك، لم تفقد الرجاء والامل من استجابة شفيعها مطلبها يوما. فما انفكت تقف قرب مزار مقامه، مشعلة شمعة ليلا، متضرعة اليه لتحقيق طلبها المستحيل. كما انها لم تتغيب يوما عن قداس واحد في كنيسته، بحيث انها كانت تقف امام صورته مضيئة الشموع وواضعة في صندوق كنيسته فلسها، ومستبدلة ذلك الفلس احيانا بمبالغ اكبر بحجة "تصريف" القطعة النقدية. كانت "افدوكيا" تعتبر النبي"قطّاع الرؤوس" ملزوما بها، فهي لم تختلف عن تلك الارملة التي اقام لها ابنها واكثر لها مأكولها. وقد زعمت "افدوكيا" انها شريكة رجل الله في لعبة "الطرة والنقشة". فكانت تسحب من جيبها قطعة نقدية من فئة النصف ليرة، كلما دعت الحاجة، ووجدت امام المقام، وترمي بها في الهواء قائلة: "انا سأختار "الطرة"، وحتما ستكون لك "النقشة" يا صاحب القداسة". وتنتظر المرأة سقوط القطعة، كي تنظر اي وجه ظهر من وجهيها. فتتنازل عن القطعة لحساب صندوق مار الياس، اذا ظهرت نقشة العملة. اما عندما تظهر"الطرة"، فكانت تسمح لنفسها بأخذ ما تجده من اموال في صندوق النذورات. وغالبا ما كانت "افدوكيا" تربح، فتجني الفلوس، ممجدة نبيّها على طريقتها. واستمرت "افدوكيا" تظن انها تلعب مع النبي وتربح، الى حين عاينها "العم الياس" في جرمها قبيل وفاتها بطريقة غريبة. وقد قيل في يوم دفنها في المحلة "هيدي آخرة اللعب مع الانبياء يا بنت الاوادم" (!). وصلت قصص عبث "افدوكيا" بصندوق الكنيسة الى "العم الياس" الذي كان نقياً وطاهراً وغيوراً وخفيف الظل وعتي القامة. فراقبها للتأكد من امرها مساء ليل شتوي مقفر، بان قمره بالكلية. فوجد الرجل المرأة ساجدة عند مزار كنيسة النبي تشكو همها، طالبة من رجل الله ان يمنحها في البطن صبيا يفك عقرها. ثم راحت تسأله ان يضرب هذا وان يغضّ الطرف عن ذاك وان يجازي "فلاناً" ويأخذ "علانا". فما كان من "العم الياس" الا ان ابتعد قليلا كي يرصد كل ما يجري معها. وفي غضون لحظات، ادرات المرأة وجهها للجهة المقابلة للمزار، فرأت رجلا عتيّ القامة والنور يحوطه من كل صوب. فخرت عندها ارضا باكية وقائلة "لقد كنت اعلم بأنك كنت تسمعني يا رجل الله، لقد كنت اعرف بأنك ستأتي كي تعطيني مولودا يملأ حياتي الشقية حتى لو كبرت في الايام". فردّ عليها الرجل قائلاً "انا الياس عيسي رجل صاحبتك "هدى" ولست "رجل الله"... ومن ثمّ فانه عيب قدام الكنيسة ينحكى غرام يا امرأة". فصرخت "هل هذا انت، يا الياس عيسي؟... يا للشماتة اني اسحب كلامي، وهو طبعا غير موجه اليك، يا من تنتحل صفة ايليا النبي! الا فارحل واحترم يا رجل خصوصية النساء مع انبيائهنّ القبضايات! كيف تتجرأ فتنتحل صفة شفيع الارامل يا ابن "راحيل". اسألك ان ترحل، والا حلت لعنات نبي الله عليك... اذهب ولا تتفوّه بكلمة عما سمعت والا اتهمتك بالتحرش بي زورا". فردّ عليها، والنور مازال يشرق من قمر تموضع خلفه وقامته الضاربة في العلو قد تولدت عن خيال لا متناه، قائلاً "من يسأل مار الياس عن طفل يا امرأة؟ ليس للانبياء والقديسين الراحلين اجساد واعضاء تناسلية، اما عند الياس عيسي فيوجد. ومن ثمّ كيف تطلبين من النبي ان يخنق جارتك المحبة، الا قومي وامضي انت، لانّ قصتك كبيرة للغاية، ولا تتوقف عند "الطرة والنقشة"...
...ويعود العيد
وما زال العيد يرجع في العشرين من تموز من كل عام، لكن معظم ناسه قد تبدلوا. من هنا الاكتفاء ببعض الذكريات وبعض القصص. يرجع العيد سنويا وقد غابت عادة التباري بين احياء المحلة باشعال النيران في مواقد تصنع خصيصا للمناسبة. غابت العادات والموقد، لكنّ النيران المفتعلة ما انفكت تعود كبيرة وضخمة في الغابات في كل الاوقات والمناسبات، لتلتهم لبنان الاخضر. فعلى ما يبدو، تغيرت الاهداف من اقامة حرائق اليوم، كما تغيّر مفتعلوها فأضحوا مجهولين. أضحوا مجهولين لمّا ما عادت أفعالهم لزوم الاحتفال المضبوط والبريء بالأعياد، بل لزوم التخريب واثارة القلاقل.
مازن ح. عبود




.........................................................................................................................................................................................جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق