الأحد، 23 أغسطس، 2009

أخبار "كركول" و"كاجو" تمزج الحقيقة بالخيال والواقع بالغيب


الأحد 23 آب 2009 - السنة 77 - العدد 23793

جريدة النهار 2009

اخبار "كركول" و"كاجو" تمزج الحقيقة بالخيال والواقع بالغيبعالم وهمي متخيل يتميز عن عالمنا بالخيال البريء والبساطة


لكل محلة انبياء "دجالون" او فكاهيون، اشخاص ينخطفون الى عوالم هستيرية كي يعودوا الينا بقصص تلون حياتنا بالمرح.







"كاجو" و"حالوصا" رجلان يتسابقان على النبوة. ولكل منهما اسلوبه ومزاجه في ترجمة افكاره في قراءة الغيب والتخاطب مع انبياء "العهد القديم" والكلام على آخر الازمنة. اما نحن معشر الاولاد فكنا نتتبع آخر اخبارهما ونسعى لرؤيتهما بغية التعرف عن كثب على اسرارهما ومآثرهما وقصصهما.
اشتهر "كوكو" الملقب بـ "كاجو" بضيافته للغرباء من اصدقائه كـ "كركول" مثلا الذي لم يواف الى محلتنا في ليلة ذلك الصيف الا بناء على دعوة رفيقه "كاجو". الا انّ "كركول"، ويا للاسف، مات لكثرة ما اكل وضحك. و مازال "النبيل" صاحب المطعم الكبير، يتذكر كيف انبرى "كاجو" يطلب كل اصناف المآكل، قائلا لطاقم الخدمة: "هات حمّص، هات بيض بقاورما"، هات غمام، هات كراعين... اوآه منكم!! كم انّ خدمتكم بطيئة!!". واكل الرجلان مليئا وذهبا ليناما الى ان استشهد الضيف على كرسي الحمام الجديد، حتى ذاع في المحل القول "اجلب ضيفك لـ"كاجو" كي يأكل ويشرب ويلهو، ثمّ انّ "ابو فارس" ملتزم دفن الموتى يقله الى دارته الابدية". الا انّ ضيف "كاجو" "كركول" كان هو الاخر على شاكلته من طلبة الاستمتاع بالطعام الندي في ظل الطبيعة الخلابة والمناخ المناسب. ومن ثمّ فان هدف تلك الزيارة بحسب "كركول" قبيل رقاده كان تذوّق انواع المآكل المحلية الدسمة كلها بعيدا عن الرقابة المركزية. وكان ان احتجز "الامباشي" للاسف "كاجو" اللذيذ في زنزانة "الكركون" صبيحة ذلك اليوم بناء على اشارة المدعي العام، الى حين تشريح جثة الضيف، وثبت ان ميتة "كركول" كانت طبيعية، اي جراء نوبة قلبية. وبكى "كاجو" نفسه وضيفه، فهو لم يتعود المكوث في السجون حيث الطعام الرديء، وقد عرف عنه انّه ترك جامعة الطب في اوروبا في سنته الخامسة كي يعود الى دارته فيستمتع بأطعمة امه من "ملوخية" و"فريكة" و"كبة بدهن". ولكم سمع يقول: "يا ماما، اركض وانظر الى "كوكو"... وينكم يا عالم، كيف تقبلون ان يرمى بي ها هنا... ويحي عليك يا "كركول" يا زميل المأكل، كيف اجد مثلك بعد اليوم!!!". وخرج "كاجو"، فقال لمستقبليه من الوفود المحلية انّ ما يثلج قلبه هو انّ "كركول" مات راضيا على كرسي حمامه بعدما أكل ما كان اشتهاه من اطايب حرم منها في منزله.
"كوكو"ومغامراته
لو لم يغرم "كوكو" النعنوع، منذ صغره بـ"الكاجو"، لما كان استحق لقبه الذي يطغى على اسمه الذي لا يعود يظهر الا في لوائح الشطب ازمنة الانتخابات. اما آلية منح الالقاب عندنا، فكانت محصورة بمجلس المستهزئين المحلي الاعلى والمؤلف من كبار سادة القوم. وكان ذلك المجلس يعرف بوقاره، حيث انه ما كان يعطي الالقاب الا لمستحقيها حصرا. لذا، فانّ "كوكو" المحب كان ناضل كثيرا قبل ان يستأهل شرف لقب ذلك النوع النادر واللذيذ من "البزورات"، الكاجو اللذيذ المذاق والمرتفع الثمن. ثمّ انّه كان لـ "كوكو" عدد كبير من المعجبين في محلتنا يستشيرونه في كل امورهم العائلية والطبية والاجتماعية وحتى الدينية. فـ "بربور" مثلا يقول أنه قبيل اقترانه بـ "كريمة"، وابان ليلة دخلتها، استشار الدكتور "كاجو" حول كيفية اتمام واجباته الزوجية. فأبلغه "كوكو" أنّ عليه ان يعرّي العروس وان يقيس مقدار "شبريّن" تحت "ذكرتها" للعثور على هدفه المنشود... هذا ومازال "بربور" يفخر لغاية هذا التاريخ بنصائح صاحبنا "كاجو" وحكمته وبساطته في التعبير والشرح. كما كان لـ "كاجو" اهتمامه بالماورائيات، وهو ناتج من ثقافته الطبية. اهتمام دفعه الى بناء علاقة وطيدة بـ "فالوصا" المتنبي، الذي اشتهر بغنى ثقافته الدينية، اذ انه انتمى الى عائلة من نسل معروف.
"فلوصا"
يوم ولد "فلوصا" نذره والده "يعقوب" لـ"يشوع بن نون". كيف لا والوالد كان "قبضاياً" ابن "قبضاي"، وكان يعشق قدرات "بن نون" القتالية والنبوية الفائقة. فـ "يشوع" اشتهر أنه اوقف الشمس في بحر السماء مرة. وقد اشتهى يعقوب ان يكون "فلوصا" ولده يشوعيا (على غرار يشوع).ولمّا تزوج "فلوصا" امرأته "نعوما" قال فيهما "النوس" شاعر محلتنا الشعبي ما يأتي:"قبوط تزوج قبوطة يا عيني ملّا زوج قبابيط بكرا بيطلع شي قبوط بيفرط حمّص بالشبّيط".كما خشي "ابو النسم" جارنا على ثنائي "آل حلوصا" ان يضيعا في السهل المزروع حمصاً قرب منزليهما، وقد ضاعا مرة لانهما كانا قصيرين للغاية. ولطالما افتخرت "نعوما" امرأة "حلوصا" ببكوريتها ليلة الدخلة بشهادة حماتها "مريم" و"حميدة" جارتها. هذا وكانت السيدتان المصونتان وافتا ليلة دخلة "نعوما"، فراحتا تنظران الانشطة الضرورية من ثقب باب غرفة النوم وفق ما كتب.وبارك الله الرجل، فانجب "حلوصا" بنين وبنات على قامة والديهما. ولقد كان "كاجو" يعنى بالعائلة عنايته بنفسه، حتى انّ "نعوما" جلبت له مرة ابنها المريض وكان يعاني اوجاعاً في اعضائه كلها، فقال لها "كاجو" بثقة واعتزاز "انّ كلفة شفاء الولد اكبر بكثير من صنعه يا حرمة... فتفضلي الى سريري كي نقيم نسلا لصاحبنا "فلوصا"، فنهرته... وارتدع.
"فلوصا" و"كاجو" والظهور
هذا ومازال اهل المحلة يتذكرون كيف ان "النبي موسى" بحسب الثنائي "فلوصا" و"كاجو" قد ظهر عليهما، مع كل ما يستتبع الظهور من رائحة بخور وتعثر اقلاع السيارة. والحقيقة انّ حريقاً كان نشب في ليلة صيفية في تلك المنطقة من الصنوبر الفوقاني، فأفضى الى نور ورائحة زكية جراء احتراق الصنوبر. مشهدية نادرة فسّرها "فلوصا" و"كاجو" من خلال الكتاب المقدس. هذا ومازلت اذكر تلك الحادثة واضحك... كما اني لن انسى كيف تمّ استنفار خورية الكاثوليك ودق الاجراس في تلك الليلة. ومما زاد في ايمان "رجليّ الله" وقوعهما ارضا ليلة صعودهما لاكتشاف عن كثب حقيقة الظهور، وذلك على غرار وقوع انبياء الله في العهد القديم في حضور روح الله. الا انّ معلوماتي افادت انّ وقوع "فالوصا" و"كاجو" كان بسبب خوفهما وارتباكهما، كما وعورة الطريق. وقد اغمي على الرجلين في تلك الليلة، ولم يستفيقا الا بعد مرور كلب "نباح" الموقر الذي فرّغ عليهما حمولته من السوائل. هذا وقد تلعثمت في تلك الليلة ايضا سيارة "كاجو" الغندورة، من ماركة "اوستن"، فامتنعت عن الاقلاع بعد كل ما جرى. فكأنّ المطلوب كان استبقاءهما في الموقع. وكان ان غادر الثنائي "الماكينة" في تلك الليلة، وركعا مستغيثين بالخالق الى ان أقلعت الـ "اوستين" في النهاية. وكان منزل الكاهن مقصدهما، الا انّ الاخير لم يستجب لهما في فجر ذلك اليوم، فكان ان خاصماه لغاية هذا التاريخ.
احلام "كاجو" الخرافية
وأروع ما كنا نستمتع به نحن معشر الصبيان، قصص "كاجو" عن احلامه الخرافية لـ "فالوصا"، حيث اننا كنا نرصدهما غروب كل يوم. فنجتمع من حولهما كما الفراخ من حول الدجاجة. ولقد كان "كاجو" يقيم الاموات دائماً، كما في افلام الرعب، كي تخيفه او تطلب عبره من اهل المحلة أموراً غير معقولة. وكانت الاحلام تنهمر عادة ليليا على "كاجو" بعد كل عشاء عرمرمي وفق انماط الاطباق التي التهمها. وكان يتكلم عادة على نهاية العالم وعلى مجيء مخلوقات فضائية مع اطباقها يدعي أنه قد ادركها قرب الجبل. كما انه مرة نقل تعليمات من "يشوع بن نون" الى رئيس البلدية، واصرّ عليه بضرورة انفاذها.هذا وقد ابدى "فالوصا" اهتماما خاصا بنبؤآت "كاجو" المتعلقة بالكائنات الفضائية، فراح يستعد لكل طارئ ولحماية ارضه. فراح يصنّع طلقات نارية يدوية على طريقته. وفي ليلة بان قمرها بكماله، انفجرالبارود بيد "فالوصا" بعدما ادركه النعاس وقد اساء قياس المعايير اللازمة. فكان ان فقد صاحبنا الاصبعين الاول والثالث من اليد اليمنى، ففترت نبوته وحزن جدا.
عالم آخر
هذا وما زال عالم "حلوصا" و"كاجو" يستهويني ويسحرني، فيجذبني اليه. انه عالم وهمي، وكل شيء في دنيانا استحال وهمياً لكن من طينة اخرى. عالمهما يسوده الخيال البريء والبساطة ورغد العيش. اما عالمنا فغالبيته شياطين ومؤآمرات وحروب ومفاجآت غير سارة تتخللها فسحات نصنعها ببصيرتنا ومحبتنا واحلامنا وطرائقنا في قراءة رسائل الخالق وصنائعه. وانه على ما يبدو، فإن كلاً منا له عالمه. نرى عالمنا من خلال عدستنا التي تعكس حالتنا الروحية. وقوي هو من يستطيع ان يحفظ نفسه نقية حتى اليوم الاخير!!! وقوي هو من يقدر ان يحب وسط الحقد، وان يفرح وسط اليأس!!!
مازن عبود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق