الأربعاء، 18 يناير، 2012

من اقوال الخوري طنسى على سرير الموت

من أقوال الخوري مازن ح. عبّود الأربعاء 18 كانون ثاني 2012
صرخ الخوري "طنسى"، من على سريره: "قلما التقيت انا الحقير في الكهنة "طنسى" مطرانا او ابا في هذا الزمن الرديئ؟" فأجابت الخورية: " ايعقل هذا يا خوري، و قد اضحوا ينتخبون بالدزينة في هذه الايام؟". ردّ الخوري، بتلعثم:"هذه هي المصيبة، يا امرأة. فالاسقفية ما عادت رتبة بل لقبا. اطلبي القندلفت ، فالمفروض لفت اهتمام ابينا مطران الابرشية الى الموضوع. فأبينا ما زال صالحا". فأشارت "نجيبي" الى ابنها "ضومط"، قائلة: " اسرع. أحضر لابيك ماء. فقد ارتفعت حرارته. بالله عليك يا امي، الا قم ،وأدعو الارشمندريت لمسحه بالزيت المقدس ". اما الخوري "طنسى" فقد نهرهم. واصرّ على مقولته، معلنا لهم: "لا، الامر ليس على ما تظنين، يا خورية. فخوريك مازال يعي ما يقول". فاستكانت المرأة ومجّدت ربها لانّ الخوري قد بلغ ايامه الاخيرة ولم يفقد وعيه. الا انها ما فهمت مغزى كلامه. فكانت ان صّلت مسبحتها مرددة الشفاعات لمريم العذراء هذه المرة. ثمّ صوّبت اذنيها جيدا لسماع اقواله. وراح الخوري يحدق بايقونة الدار التي كانت لملك صادق - يسوع رئيس الكهنة والمعلقة في صحن الدار. وتمتم قائلا: "يسوع هو رئيس الكهنة الاوحد الى الابد على عرش ملك صادق... انزل المتكبرين عن الكراسي ورفع المتواضعين". فردت عليه "نجيبي" :"اين هم الملوك الصادقين يا ابانا، واين هي عروشهم؟ آه. كم هو مسكين زوجي، فهو مازال يعتقد انّ من يصعد الى الكرسي ينزل بسهولة !!! تعال يا "ضومط"، استمع الى هلوسات ابيك... من يجلس على كرسي، من اي نوع، يلتصق به حتى مماته". فكان ان اقترب الولد من ابيه. واسكت امه بلباقة. ثمّ راح يستمع الى همس اقوال الخوري التي تركّزت حول ترتيبات جنازته بعد ثلاثة ايام. ثمّ حول المطارنة الذين قال عنهم بأنهم شيوخ روحيون بالمبدأ. وبأنهم كانو ينتخبون من القديسين الاحياء. لذا، فاءنّ من يكهّن عادة يسأل شفاعتهم، قائلا: "بشفاعة ابينا القديس (فلان)". وكان ان اوصى الخوري المحتضر ولده الا يسمي كل "خوري" يلتقيه، "ابا". لانّ للابوة اصولها. فالمطران قد يرسم عشرات من كهنة الرعايا ممن لا يستطيعون بالضرورة ان يكونو آباء روحيين. ورمى الخوري في اذنيّ ولده سرا، ما يلي: "اسمع اقوال الاكليروس يا بنيّ. ولا تفعل افعال غالبيتهم. لا تحزن منهم بل عليهم، اذا ما اساؤا اليك. ولا تحبط من افعالهم. احترم ابدا كهنوتهم. فيسوع هو رئيس الكهنة الحقيقي وحده". ثمّ صرخ بصوت خافت، على قدر ما اعطي من نحب: " لنصلي جميعا من اجل ان يهب الله كنيسته احبارا قديسين". فأجابته الخورية: "آمين". ثمّ راح يتمتم لها:" يا نجيبي، لقد اقتربت الايام الاخيرة... ها انا راحل قريبا عنكم، فانتبهوا كي لا تقعوا في تجربة". ثمّ بدأ فجأة يتكلم في الازمة المالية العالمية، وهو لم يكن يوما مهتما بمثل هذه الامور. فأشار الى انّ ما يعرف بالتقلص المالي ما زال في بداياته، وهو نتيجة سطوة اصحاب البنوك في الغرب على مقدّرات الناس. معتبرا ان الله سمح بذلك لتأديب بشرية ساقطة ولردع طمع الانسان. واعتبر بأنّ لب المشكلة في الاساس اخلاقي. اما الخورية فراحت تضرب بيديها، جنبيها. وتولول، قائلة: "مسكينة يا خورية. لقد فقد الخوري عقله، فأضحى يتكلم بالسياسة ايضا". اما هو فاستكمل تمتماته، على قدر ما اعطي له: "يا الله الرحوم، ارحمني انا الخاطئ. الا فعودوا الى الارض يا اولادي لانّ اياما صعبة تنتظركم. اقتصدوا. انتم غارقون في عالم ابليس، وهندساته المالية التي هي نصب واحتيال. احذروا العولمة يا اولادي، فهي تجعل منكم ارقاما "للوحش". ها انّ "وحش " رؤيا يوحنا يسيد ويميد في البشرية. ويمهّد لقدوم المسيح الدجّال. انّ الحرية غير المسؤولية تؤدي الى تعاظم الفردية والطمع والخراب. الجأوا الى الاديار الحقة كي تخلصوا". ثمّ سأل ان يتم احضار صديقه "منير" -قوّاص البطريرك الراحل، الياس معوض، كي يودعه. فحضر "منير" في اليوم التالي وهو يجهل اسباب الاستدعاء. وفور وصوله، راح يمازح ابن الجيران، قائلا: "وانت ماذا ينقصك يا "لالوس" كي تذهب الى الاكليريكية ؟؟ فانت جار خوري ولديك كل مقومات الاسقفية: الصوت الرجراج، ونهم على الدجاج، ومقاس رأس كبير يليق بالتاج". فهتف الخوري المحتضر: "منير طلبتك، كي اودعك وليس كي اتسلى. ماذا توصيني كي ابلغ سيدنا البطريرك الشهيد القديس؟؟". فاجاب : "ان يتضرع الى الله كي يحفظ دوما كرسي "بطرس وبولس " ". وفي اليوم الثالث قدم رئيس دير مار يعقوب. فتلى له افشين الاحتضار. وزوّده بالقدسات . واقام له خدمة الزيت. واستغفر الخوري المحتضر اهل بيته فردا، فردا قبل ان يدخل في غيبوبة رقاد. فكان ان اشرق وجهه. وضحكت اساريره في حضرة ربه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق