الاثنين، 30 يناير، 2012

في آثوس وبيزنطية الجديدة والعالم "ان اردت ان تعاشر بعض الله فعاشر القديسين، والا فالحيوانات المفترسة" الاب بايسيوس الاثوسي

في آثوس وبيزنطية الجديدة والعالم "ان اردت ان تعاشر بعض الله فعاشر القديسين، والا فالحيوانات المفترسة" الاب بايسيوس الاثوسي اردت ان اختبر كيف تكون "معاشرة بعض الله". فزرت أرض بايسيوس وبورفيريوس وسلوان الاسوسي ونيقوديموس ويوسف الهدوئي وصفروني وغيرهم من الاباء. وارضهم كانت جبلا، ما انفكت زيارته تشكل حدثا مفصليا في حياتي. فتجدد الروح التي فيّ. وتحملني عميقا الى نفسي والى تاريخي، الى الامكنة والازمنة التي احب. يضيع الزمان والمكان هناك. وتختلط اشيائي بعضها ببعض، وتنمحي الوقائع في حضرة الانغام والالوان والبخور الظلال. تزول الهموم والمشكلات. لما لا، والمكان هو حديقة والدة الاله، في الاصبع الثالث الفائق الجمال من بحر ايجيه، التي يقول التقليد الاثوسي ان السيد اهداه الى امه مريم بناء لطلبها!!! والعذراء مريم ادركت المكان، لمّا تعثر المركب الذي كان يقلها مع يوحنا الحبيب الى قبرص لزيارة لاعازر. فكان ان حطّ الفلك قرب دير ايفيرون حاليا، فاعجبت مريم بالمكان الذي اضحى حديقة لها يعيش فيه من يريد الخلاص بشفاعتها. وكان ان اضحى الجبل منذ تلك الواقعة محرما على كل نساء الارض الا والدة الاله، سيدته وحاميته. وكان ان بنيت الاديار التي مازالت تحوي كنوز بيزنطية السماوية. فكان ان زرت المكان كي انقل لكم بعضا ممن ادركت. انطلاق رحلة حج ما كان ممكنا التعرف على الجبل المقدس بهذا القدر، لولا الارشمندريت كوستا كيّال الذي يتقن اليونانية وينتمي ايضا الى دير كوتلوموسيو هناك، وقد وصلني به صديقي الاب يوستينوس. انطلقنا من بيروت الى آثوس (انا والاب ديمتري خوري وكريستيان خريستوفوريدس وريان فوّاز) في فجر السادس والعشرين من نيسان. بلغنا تيسالونيكي، مدينة ديمتريوس العظيم- المفيض طيبا، عصرا. زرناه، فتزودنا من جسده اريجا مازال يفوح، منذ استشهاده في القرن االثالث. وعطره مازال يغمر الارب القطنية التي يلف بها سنويا والتي توزع في عيده على اهل مدينته. شكونا الى ديمتريوس هموم ناس بيروت ومضينا... آثوس في كلمات بلغنا آثوس بحرا، ظهيرة اليوم التالي. وصلنا ميناء دفنة ومن ثمّ كارياس-عاصمته، فلاحت علينا اعلام بيزنطية. فشعرت آنها بعبق حضارتها وبقوة الروح التي تحرك التاريخ. قوة قد تحيي ما انطوى. الجبل لم يكن كليا خارج العصر، لانّ الطرق والمياه والكهرباء والاتصالات بدأت تدخل اليه بالحدود الدنيا. عرّجنا هناك، بحسب العرف، على ايقونة "بواجب الاستئهال" كي نستأذنها الدخول الى حديقتها. عذراء ايقونة يقال انها خرجت يوما، واسمعت الناسك، ترنيمة: "بواجب الاستئهال" من افواه الملائكة . وتقرب الدنا من العلى في دولة الرهبان التي تكتسي طابعا مسكونيا، والتي تحكم من ممثلي الاديار العشرين الرئيسية الذين يشكلون سلطة تشريعية، ينبثق عنها رئيس فخري، ومجلس مدبرين (اربعة) يشكلون السلطة التنفيذية. وآثوس يتمتع باستقلال كنسي ايضا، فلا تخضع ادياره المستقلة الى سلطة احبار الكنسية، الا للسلطة المعنوية للبطريرك المسكوني، وبشكل محدود جدا. ويعتبر هناك انّ عدم تدخل احبار الكنيسة في شؤون اديارهم، ادى الى ازدهار جنتهم وديمومتها. يعيش الرهبان هناك بمسالمة مع محيطهم الطبيعي، فلا يأكلون اللحوم بتاتا. وقد بدأوا يعتمدون، قدر المستطاع، على مصادر الطاقة البديلة من شمس وهواء وما شابه. لم يتظهر الجبل بالصدفة ابتداء من القرن العاشر، بل انّ من اسباب نشأته كان الفتح الاسلامي لمدائن الشرق، فكان ان هجر الرهبان الذين استطونوا البراري الى هناك. الا انّ آثوس لم يسلم من غارات السارقين وتقلب امزجة السلاطين!!! يسري في آثوس التقويم البيزنطي، فاليوم الجديد يبدأ هناك مع كل غروب شمس. وتتأخر اعيادهم، باءستثناء القيامة، ثلاثة عشر يوما عن اعيادنا. في لقاء الامكنة والازمنة والنسّاك وكان ان زرنا عددا من الاديار والمناسك التي كان لكل منها طعمة ونكهة ولون. الا اني احببت ايفيرون، اكثر من كل الاديار. ف"سيدة البوابة" التي وافت اليه عبر البحر، ابان حرب الايقونات في بيزنطية، مازالت تقطن هناك. ايقونة ادركها الرهبان من بعيد شهبا من نور يسير في عرض البحر. فكان ان حملها الراهب غفرائيل الى اليباس، بطلب من العذراء الى رئيس الدير. وشوهد الراهب غفرائيل يومها يسير ويخرّ على سطح المياه امامها قبل ان يلمسها. ولمّا طعنت بخنجر جندي عثماني، ابان غزوة، خرج منها دم كثير. فكان ان أضحى الجندي احمد مسيحيا، واستشهد جراء ذلك، فانضمّ الى معشر من ارتسم على جدرانيات ذلك الدير. تأملت في الايقونة العجائبية التي قيل بانها ستهجر الجبل كما اتت، عند بداية النهاية. واستكنت ناظرا الى القنديل الفضي الذي ينطرها، والذي قيل انه يهتز قبيل حدوث الحروب والنكبات. صليت عميقا امامها كي لا ادرك ساعة ترحالها، وانصرفت كي التقي الراهب جيرمايا (الاوسترالي-الاغريقي) اواناقشه في قصص آثوس وسيدة البوابة. ما اغفلت اجراس ونواقيس الاديار يوما هناك دعوة الناس الى الاشتراك مع قديسي الجدرانيات في التسبيح لرب الصباؤوت الطالع من القبر، كما الشمس. وكانت الدنيا تدور في العالم دون ان تتوقف المباخر في آثوس عن التسبيح مع جوقات الرهبان والملائكة. هذا ومازالت انغام جوقة دير فاتوبيدي تطن في اذنيّ. والدير المرنم قد اصطبغ اصلا بشذا عطور يوسف الهدوئي ويوسف فاتوبيدي اللذان حلاّ فيه ضيوفا، يوم زارا العالم. انخطفت في كنيسة الدير ما بين عبق البخور والنغمات والكلمات حتى افول الخدمة. وكان ان التقيت على اثرها، بمعرّف الدير- الاب الفرنسي ايرينيه، اللاتنيني الاصل، الذي اعتنق الاوروثوذكسية على يد الاب صفروني والشيخ يوسف. اصغيت الى قصته وقصص كثيرة اخرى في تنبؤآت آباء ديره وآثوس، حول الازمنة والازمة المالية العالمية الاخيرة وتأثيرها على اليونان كما اسرار اخرى، وطلب الي ان اعود. كما التقيت في الصوامع والمناسك المحيطة بالاديار باناس من نور قطنوا البرية، وراحوا يصلّون عن انفسهم وعن العالم ليلا، نهار. لقد كان اولئك اجمل ما وجدت في ذلك الجبل. اما المحطة الابرز في لقاء آباء المناسك، فكانت مع الاب افتيميوس في منسك كوكب انطاكيا- الاب اسحق عطا الله، الفقير والصغير. فكان ان اجتمعت بالاب اسحق الراقد، ترابا وعبق ذكرى. وتحدثت مع تلميذه افتيميوس سائلا النصح. فكان ان ادهشني ذلك الاب المعدم بكرمه وتألقه. فشعرت حينها انّ العالم يجثو على اقدامه واقدام رفاقه، مسلما لهم اسراره ومفاتيحه، كيف لا و"النسّاك هم فخر الكنيسة"!! ما ادركت كرما كالذي عرفته في آثوس!!! فالكل هناك كان يعطيك ويخدمك متفانيا، ومستذكرا كيف ان يسوع اكثر الخبزات والسمكات الخمس التي اشبعت الالاف. وبالفعل فخبزاتهم وسمكاتهم تكفي، وتفيض. فرحت بعد ان زرت الجبل، لاني شعرت ان بيزنطيا ما بالت انما تبدلت، فأضحى النسّاك في آثوس اباطرتها الجدد والحقيقيين. فعلى ما يبدو رحلت بيزنطيا الارضية وانقضى اباطرتها معها الى الابد!!! وقد بقي منها ما هو نافع فقط، وما ينفع كان فسحة جغرافية لا تتخطى الاربعماية كيلومترا مربعا يتعبد فيها رهبان الارض لخالقهم في السماء. فسحة اضحت ارضا من سماء يعيش فيها اناس من نور هربوا من العالم الى حديقة والدة الاله طلبا للخلاص. وانا كنت محظوظا اذ التقيتهم كي ادرك بعضا من ومضات الوهة في عالم تحكمه شياطين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق