الاثنين، 23 يوليو، 2012

عَكرة في حارة يوسف

عَكرة في حارة يوسف
سمع «سبع الغاب» أنواء واشتباكات نارية في «حارة يوسف»، فبلغه ان اولاد الجار قد اختلفوا في كل شيء حتى في نسبهم. فراحوا يضربون النيران على بعضهم البعض من بنادق الصيد حتى أصيبت حارة القرميد خاصتهم بأضرار بالغة، تلك التي بناها لهم والد جدهم «يوسف داوود». وقد استهلكت خمسين سنة من العمل المضني والسفر ذهابا وايابا الى مدينة "بوينس ايريس". والعلة في تلك الازمة هي في اسس تربيتهم، بحيث طغى المتسلط على الاخرين. وفجأة تغيّر العالم واستفاق الاخرون، ولم يقعدوا. وجدوا انّ حاكمهم ما حارب الشرير واستعاد الكرامة كما قال، ولا حتى اغناهم، بل قمعهم تحت جناح كل ذلك، كما فعلت السياسة فعلها بهم. ففريق قلّد الزعيمة "نبيهة"، وآخر كان من جماعة القزم "زوبار". لقد كان العالم من حولهم يغلي والصراعات على حكمه تكوي. فكبرت الاحقاد بين احفاد "يوسف"، حتى انه لم يبق للعلي مكان عندهم. اخوة اولئك كانوا مظلومين ممّا "لا حول ولا قدرة لهم". ومسكينة اكثر كانت بهائم تلك الحارة وهي من ضحايا الاشتباكات. اشتباكات قيل إنها لن تتوقف الا بعد زوال فريق، او ببساطة تصدّع الحارة التي كانت تحملهم وتبَدّلها الى غير رجعة بغياب اناسها المسالمين، ونفقان بهائمها ومقوماتها التفاضلية. الازمة انفجرت بعد رحيل الوالد وتدخل نساء الاخوة وتردّي لغة التواصل ما بين الابناء لحساب المناكفات. وغالبية احفاد يوسف كانوا هوائيي النزعة، من ابناء مدرسة "إمّا كل شيء او لا شيء" في الحياة. غرقوا في ردود الفعل، فغاب عنهم السبب الحقيقي لكل تلك النزاعات. لم يكتب لهم ان يتعلموا ويتدرجوا في الديموقراطية، فكان ان اتقنوا لغة العنف والتطرف بغالبيتهم. والظلم يولّد المرارة، والخوف ينبت الالغاء، والغبن يقود الى التطرف. وكان ان تمّ طلب "الكركون" الذي وعد بالتدخل فور انتهاء العكرة وسطوة فريق على كامل المقدرات. وهذا كان صعبا للغاية، اذ انّ لتلك العمارة دهاليز ومنازل كثيرة. وكان ان تمّ استدعاؤه، وقد عرف بصوته الجهوري الذي يبلغ اوقيانيا. كيف لا وهو مسموع؟؟ ولا يحتاج الى هاتف مثلا لمخاطبة حتى الغائب المهاجر؟؟ والرجل قد وصل لتوّه من "تركمانستان"، حيث يعمل لحساب شركة دولية هناك، لقضاء اجازته في محلته. فكان ان صادفته تلك الازمات، وهو لها الداء الناجع كما يقول. وصل ساحة الصراع وراح يصرخ في المتخاصمين. فاهتزّ ما تبقّى من بلور الحارة، فخرجوا لمعاينة من تجرأ وعكّر كبوتهم، وهزّ بلّور نوافذ حارتهم. فوجدوه ماردا ينده لهم. وهم ما زالوا يتذكرون كيف استلزم سحبه من الكنيسة مرة خمس رجال. نعم، حصل هذا معه لمّا صرخ يوما في صحن الهيكل سائلا جوق الكنيسة إنشاد ترنيمة، قال انه قطع مسافة 1000 كلم لسماعها. ولمّا لم يستجب له، هزّ المسكونة والكنيسة، الى ان تمّ استدعاء افضل الرجال لإخراجه. الا انّ الموضوع كان اليوم مختلفا، فالامور كانت اكثر تعقيدا، والصوت الجهوري والقامة ما هما من مستلزمات الديبلوماسية وفض النزاعات. وسرعان ما اكتشف ذاك السبع عقمه، فراح يمزّق ثيابه، وينتف شعره. لاعناً "سوفوريوس" ملك الشياطين الذي دخل الى حارة "يوسف" ولم يخرج. فحصل فيها ما حصل، وراح يصرخ "احترموا البهائم ان لم تحترموا البشر يا جماعة. اماه يا اماه. ما هذا العنف والحقد كله؟؟". ثم راحت طلقات بندقيات "الدك" تعلو في المكان، فنجا بنفسه من تلك الواقعة، وتحسّر على ايام السمر و"الكبة النية" و"كأس العرق" و"الزجل" و"هزّ الخصر". ثمّ ادرك لاحقا انّ العكرة هي ايضا في بعض جوانبها، انعكاس لتوازنات واطماع خارجية، فجزع. لقد اختلطت في معارك تلك الحارة ادوار الانس والجان، فحارة "يوسف" على ما يبدو كانت استراتيجية في موقعها. فمن حكم الحارة، حكم ذلك الحيّ الغني بالشجر المثمر واهله. وانّ شرارة احداثها عكّرت صفو الحي كلّه الذي راحت حاراته تهتز تباعا. وما بني على الرمل تسقطه العواصف. مرصودة أضحت تلك الحارة، وطويلة صارت دربها الى السلم والرخاء والديموقراطية. ستورق شجرات حديقتها يوما، وستستعيد زخمها حتما. سيشفى اولادها حتما من جروح التاريخ، ويخرجون من كبوتهم الى الغد لكن بعد حين. الّا انّ الغد القريب، هو على ما يبدو، للحداد والعتاب. واني اخشى عليهم من الانتقام، لأنه يدخلهم في الردود والجاهلية. ولا اجزع عليهم من الحداد. فمَن لم يحدّ على امواته، تسكنه ارواحهم، فيسقم جسده حتى الموت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق