الاثنين، 9 يوليو، 2012

منير نوّار خادم انطاكيا العظمى

أمسك «سبع الغاب» كعب نعله، وبصق على الارض، وقال: تفو على «عزرامبو» (عزرائيل باللغة المحلية)، لقد مضى «منير» صاحبنا غروب امس. فسألته: أإلى طرابلس؟؟. فأجاب: لا. ولا حتى الى الشام او بيروت. فقد استدعاه مولاه المطران "الياس" الى دنيا الزرع والخضرة. فقلت: كيف؟؟. أجاب: رحل هكذا. وقع ارضاً، ولمّا اخذ الى المستشفى مكث فيها لساعات، ومن ثمّ مضى. ثمّ تنهد. وتطلع اليّ، متابعاً حديثه: لعلّ مطران طرابلس الراحل رغب بركوب سيارة "الاولدز موبيل" خاصته. تلك التي قال فيها منير انّ طولها فاق العشرة امتار، وسرعتها المئة كيلومتر في الساعة. والتي سلمت برأيه من محاولات اعتداء "شبلي العريان". تلك التي كان يفتخر بها كثيرا. وقد امتهن قيادتها في أزقة "الزاهرية" و"السامرية" و"باب توما". لعلّه مضى كي يقودها هذه المرة مُقلاً أناسه من دنيا الدماء الى دنيا البقاء. وصمت لبرهة، ثمّ تابع: نعم، لقد ذهب يا استاذ من دون وجل او تردد او خجل. صعد الى فوق في موسم "الصعود" الى حيث اريد للأجساد في ملّتنا ان ترتفع. ودّع نوّار ومضى الى "انطاكيا" السماوية، محملاً بأشواق الارضية. لقد قال لي: "حان أواني للسبات حتى مجيء الديّان. ارغب يا "سبع" سماع المطران "الياس" وهو يَشدو: "هلمّ خذوا من النور الذي لا يغرب". آه ما اروع صوته. "إيه دِني!!". لقد اشتاق صاحبك "منير" الى ان يجلس مجددا على ابواب المجمع المقدس، فيلتمس كلمة حق. لقد اشتاق الى القدس في القيامة. نعم، اشتقت الى أزمنتي، الى ازمنة الملك "بول" في البلمند (آخر ملك لليونان وقد زار لبنان في عهد الرئيس شمعون)، وبطريرك العرب "الياس معوّض"، والبطريرك "ثودوسيوس ابو رجيلي" الذي عرفته مطرانا لطرابلس وبطريركا. وقد سلّمني مفاتيح خزنته الشخصية. أتوق لمقابلة ابن محلتنا رئيس اساقفة اميركا- المطران "بشير". وهو قد مضى على غفلة مني ومن المطران "الياس". جميعهم يا "سبع" رحلوا الى دنيا الحق. اشتقت اليهم والى اهلي. ما عاد لي لزوم ها هنا. اودعك. سلّم على الاستاذ، وقل له: "منير" رحل. صَلّ له. إنّ الموت ليس الّا "بصر منام". ليس الّا رقادا. لا اخافه. نعم لا اخافه. مستعد انا للذهاب يا الله. مستعد. فليأت الخوري "طنسى" ويمسحني بالزيت. وليزودني بالقدسات. استروا ما صدر عني، انا صبي أمي - العبد الفقير، يا معشر "اهل الحارة". ليبلَ هذا الجسد- الاناء، فقد حكم عليه بالانحلال جرّاء الخطيئة بحسن تدبير الله. وانت يا روح "منير"، عودي الى خالقك. انضمّي الى رياح البيادر". حمل "سبع الغاب" اقوال منير اليّ. اسمعني اياها بعد ان حفظها عن ظهر قلب. وهو ما كان يتقن عادة حفظ مثل هذه الاقوال. اما انا فرحت اتأمل في سحر كلمات صاحبي الراحل. ودارت في رأسي قصصه التي تلاها عليّ، كقصة "المطران سابا وضربة صبحي"، وقصة "السيد البرط في الانتخابات"، الى قصة "الخوري شلهوب" وقصص "الاحبار ابيفانيوس وسماحة وغيرهم...". وسمعته يقول لي: انّ قصصي ليست للنشر يا مازن... وما قلته لك، انما كي تعرف انّ غالبية الكهنة والاساقفة في كل زمان ومكان هم اناس مثلي ومثلك لم يتحرروا كليّاً من انسانهم العتيق. وعاينت جسده. فأبصرت على وجهه الصفاء. ألبسوه افضل ما عنده لملاقاة محبوبه. وقد ترك لنا كل القصص والزلّات والخطايا. أحسسته متشوقاً الى نوّار الرياحين والورود والعصافير والخضرة والعيون والماء والاساقفة المتشحين بالضياء. حيث الانغام والشدو. فقلت له إني سأفتقده كثيرا، وسأفتقد حضوره ونكاته وقصصه ولباقته. قبّلته، قبلة الوداع. وحسبي انه استنار من نوّار الدائم!! وودّعته، قائلا: الى اللقاء يا كهلا من قومي عاشر وحفظ اخبار افضل الناس واحلاهم. وليبق ذكراك ذكرى ورد جوري من نوّار. سلّم على "انطاكيا العلوية". وبالله عليك اسأل اهلها ان يصلّوا على نيّة المدينة السفلية واهلها البائدين. فنحن في عوز كبير الى رحمة الله. وهبّت الريح. ووري الجسد التراب. وتوارى الناس. وكان نهار جديد ومولود جديد على هذه الارض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق