الاثنين، 30 يوليو، 2012

رفيقي في ليلة زفاف حبيبته القديمة

وقف رفيق دربي، ذاك الشاب المتمرد البهي، في حضرة عروس احبها، يوم كان صغيرا. وقد تمناها لمّا يكبر، ولمّا هي تكبر، ويصغر اهلهما. وقد التقاها في حفل زفافها، فطلب والدها اليه ان يزفها. تلعثمت في شفتيه الكلمات. ومن ثمّ ارتطمت بحوائط الذكرى. حتى زفّها زنبقة لزبد بحر. زفها لعريس من خياله خطت الامواج جبينه. وتعطر رداؤه بزهر الليمون الفوّاح. زفّ طفلته الخجولة يوم كان صبيا الى عريس من صنعه. انتصبت هي، وقد سوّتها الايام من غير ان تحرمها سحر الطفولية بعد، امامه. وما زالت هي هي. وهو لا يعرف اذا ما كان قد تغيّر. صمت لبرهة، ثمّ خاطب الزمن منددا، وقائلا: "آه منك يا ملعون، والف آه عليك !!! كم مضيت سريعا، فلوّنت خدود الصغار وجعلتهنّ عرائس. عروسي تمتطي جواد فارس مجهول، وتمضي مع شمس الغروب، تاركة وراءها النهار والسحر والخربشات. كانت لي حبيبة اطلّت من الكروم. حبيبتي زمردة. حبيبتي انشودة الجبل. لحن بيزنطي نسج بعبق الايمان". ثمّ تذكر كيف كانا يعريان معا زهرة المارغريتا في حقول "المصبنة"، حيث الوادي وشجرة "الشامي" والجسر، من لباسها قطعة قطعة. لمعرفة ما المكتوب لهما: "الزواج" ام "الترهّب"؟؟ وتذكر كيف كانا يسابقان ورق الشجر الراكض في المياه الجارية من دون ان ينجحا في اعادته. رغبا في ان يلتقيا مجددا قطرات المياه التي غطت يديهما يوم جبلا من طين الفخار، مجسّمين صغيرين. او ببساطة تلك التي كتبا عليها درس القراءة وموضع الانشاء وجدول الضرب وكل الاسرار والكلمات. الا انّ المياه التي تمضي لا تعود، كما ابلغتهما معلمة العلوم الطبيعية. فلعنا المياه الجارية التي لم تقترف شيئا. صنع لها من طين الفخار صبيا، وصنعت له من ذلك الطين فتاة، واسكناهما حفرة كي لا يفترقا. وعدها ان يكتب اسمها على جبين الليل كي لا يدركه النهار، فيتفشّى سرهما، فيعلم الاولاد، ويعيّرانهما. اما هي فكتبته لغزا على شعاع شمس تشرين المستتر بعضه بالغيمات. وبالفعل ما عرف بسرهما من الاولاد الا واحدا. واحد عرف وقد أتقن طرق غرس الزهور، وانضاج الورود، وزرع الزنابق. فنذر لهما وردتين وياسمينة. وردة حمراء واجهت بيضاء تحت أفياء الياسمينة. ثمّ شعرت "ايفون" معلمة العربي بأنّ الصبي راح يتقن اشعار الغرام، ويتفنن في القائها. كما شعرت بخديّ الفتاة تتضرّجا دماء كلما القى شعره. والصبي راح يسرح، وراحت عيناه تكبران حتى تنطحا البلور والحوائط، وصولا الى الفضاء. ثمّ صار يخرطش على صفحاته أشباه فتيات وقصور وامراء واميرات وياسمين، فعرفت معلمته بأنه قد اغرم. الّا انها ما احبت ان توقظه، فالاستفاقة من الاحلام كابوس، والاطفال بالاحلام يكبرون وينمون. كان يختلس النظر الى فتاته من تحت طاولة الدراسة، وكان يرشقها بحبوب الارز نافخاً اياها بأنبوب قلمه. اذا ما اقترب منها صديق او عدو، رسم لها مملكة ووضعها على عرشها، رسم لها نجمة من ياقوت وزمرد واهداها اياها، رسم لها كل ما ادرك في عالمه من اشياء جميلة، اقسم لها بأنه سيحبها حتى فناء الدهر. ورحل عنها. فكبر بعيدا عنها، وعن رسومه. ظنّ بأنها لن تكبر، وبأنه لن يكبر. نسي ان المياه الجارية التي لعنها قديما لا تقف او تعود، فعاد كي يجدها عروساً طلب اليه ان يزفها في ليلة عرسها. قارع الجنّ وخاصم الملائكة، لكن ما كتب قد كتب. بحث عنها فما وجدها له، الّا في اعماق وجدانه حورية مغدورة. تركها البحر ومضى. فجلست على حافته تنتظر قدومه. هل كان هو من اخطأ؟؟ ام انّ الاقدار كانت اكبر من حريته؟؟ فرسمت له على قارعة الزمن خارطة. وهو ما كان قدريا!! أكان يحبها هي؟؟ ام انه احب امراة من صنعه؟؟ انطلق منها كي يقلع الى الفضاء، فيرسم هناك لنفسه اميرته-ملكة النساء؟؟ الا انها قد عَنت له وما زالت تعني، اذ انها مثّلت حبه الاول، واجمل قصص الغرام هي التي تبقى على السطح ما بين الارواح فلا يشوبها ضغن الاجساد. أجمل قصص الغرام هي الطفولية التي لا تنته بالزواج. فتبقى الحبيبة في اعماق محبوبها حلما او فكرة او ذكرى، تبقى ببساطة نغما دهريا يردد ويتجدد. اجمل قصص الغرام هي التي تتناثر ورودا في أفياء المجرة. اجمل قصص الغرام التي تنتهي كما انتهت قصته، مغدوراً في عرس المحبوبة!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق