السبت، 25 أبريل، 2009

لبنان والبيئة والعام 2008

تمهيد
Published in February 2009
يقع التقرير في ثلاثة آلاف وثلاث ماية كلمة، ويتناول في اكثر من عشرة صفحات اوضاع البيئة في لبنان خلال العام 2008. فيسجل عددا من ابرز الاحداث والكوارث البيئية التي عرفها البلد، ويقيم اداء الحكومة العتيدة وكيفية تفاعلها مع الازمات البيئية ودرجة تقدم وعيها للمشكلات والتحديات البيئية من خلال مواقف صنعة قرارها في هذا الاطار. كما ينقل بعض اوضاع مكونات المجتمع الاخضر اللبناني.
في الاحداث الاساسية في البلد
انتخب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية في العام 2008، ثمّ أسفر مؤتمر الحوار الوطني في الدوحة عن ولادة حكومة الرئيس السنيورة الثانية. فتحركت جراء ذلك عجلة صنع السياسات البيئية. والعمل البيئي قد تأثر في البلد سلبا على اثر مضاعفات حرب تموز الداخلية (من العام 2007 حتى الشطر الاول من العام 2008)، اذ انّ الازمة الحكومية عطلت صنع القرارات في وزارة البيئة نسبيا في ظل غياب وزير اصيل او وكيل للبيئة.
سمي الطبيب انطوان كرم وزيرا للبيئة في حكومة الرئيس السنيورة الثانية عن حزب القوات اللبنانية. وقد بدأ الوزير الجديد العمل في وزارته اثر نيل الحكومة الثقة من مجلس النواب، فكان ان تحركت العجلة البيئية المتعثرة بعض الشيئ.
هذا ومازالت طبيعة النظام السياسي المرتكزة على مبادئ الزبائنية-الاقطاعية السياسية والطائفية، تعيق تطور الحركة الخضراء في لبنان وحياديتها وفعاليتها. هذا وقد شهدت المرحلة الاخيرة حالة فرز ما بين افراد المجتمع المدني اللبناني، وقد توزعوا ما بين معسكري النزاع. فأضحت المشاغل البيئية اكثر عرضة للتسييس والاستغلال الانتخابي.
البيئة والعام 2008 بكلمات
تحسن نسبي في احوال القطاع
تحسنت اوضاع صناعة السياسات البيئة مع تشكيل الحكومة الجديدة، وتسمية وزير يدير القطاع بعد ان شغر المنصب لفترة ليست بالقليلة نتيجة الازمة الحكومية التي بدأت تنحسر مع مؤتمر الحوار الوطني في الدوحة.
كما برز عدد من المؤشرات الايجابية، واهمها ازدياد تعاطف الاعلام مع المشكلات والازمات البيئية.
تعاطف الاعلام مع البيئة
انّ درجات تعاطف الاعلام مع البيئة المتزايدة خلال العام 2008، يعد انعكاسا لازدياد الحس البيئي لدى الناس، او قد يعكس ايضا رغبة من قبل القيمين على القطاع الاعلامي بتوجيه الناس الى موضوعات اكثر اهمية من السياسة الاستهلاكية. فمعدلات التقارير الاخبارية البيئية على محطة المؤسسة اللبنانية للارسال تخطت عتبة الثمانين تقريرا. كما خصت اخبارية المستقبل البيئة ببرامج خاصة. هذا وقد تصدرت الموضوعات البيئية برامج "Talk Show" في OTV...
كما خصتنا معظم اذاعات الراديو بمساحات كثيرة عن البيئة، ولمسنا تعاونا استثنائيا من قبل اذاعتي صوت الغد ولبنان الحر لايصال صوت البيئين. هذا ولم يغفل الاعلام المكتوب تغطية المشكلات البيئية، وهو كان البادئ في حمل هذه الهموم.
وعي القادة للموضوعات البيئية
البيان الوزاري
انّ ازدياد الوعي البيئي لدى الناس وقادتهم تترجم بندا اخضر في البيان الوزاري لحكومة الرئيس السنيورة الثانية. فأتت البيئة في البند السابع والخمسين من البيان الذي اقره مجلس النواب في 12 آب من العام 2008. البند) 57( اتى علميا وجامعا في نظرته للمشكلات والتحديات البيئية، الا انه اتى ايضا طموحا وفضفاضا. واننا نعتقد بانه يصعب على اي حكومة انفاذ كل ما ورد في البند) 57( بغضون عشرة اشهر، وفي ظل الظروف الراهنة، وبخاصة اذا ما كان الوزير المسمى غير تقني. هذا وعلى الرغم من مرور نصف فترة ولاية الحكومة لم نرصد اي خطوة ملموسة في استكمال تتبع ملف التعويض عن حرب تموز جراء البقعة النفطية وملف خطة الادارة المتكاملة للنفايات الصلبة وملف الصرف الصحي او حتى استصدار المراسيم التنظيمية لوزارة البيئة بموجب القانون الجديد، وكلها امور وردت في البند البيئي) 57( من البيان الوزراي.
انّ اهمية البند) 57( تكمن في كونه فعل ايمان ليس الا، من قبل دولة رئيس الحكومة ولجنة الصياغة بالحفاظ على موارد لبنان الطبيعية وارساء مبادئ التنمية المستدامة والشراكة مع المجتمع المدني.
هذا وقد اتت كلمة رئيس الجمهورية في الامم المتحدة حول البقعة النفطية، كما كلمته لمناسبة الاستقلال لهذا العام، غنية بالاهتمامات البيئية. وتجدر الاشارة الى انّ مجلس المطارنة الموارنة قد ضمّن احد بيناته الشهرية في آب 2008، توصيات تعلقت بحماية الغابات ودرء المخالفات البيئية.
كما توجه حزب القوات اللبنانية برسالة تهنئة الى البيئيين بمناسبة يوم البيئة العالمي في منتصف حزيران المنصرم.
هذا وبتوجيه من فخامة رئيس الجمهورية، شكلت الاهتمامات البيئية صلب اهتمامات وزير الداخلية والبلديات الجديد المحامي زياد بارود الذي قام بمبادرة مشكورة بغية ايجاد تمويل لشراء طائرات لاطفاء الحرائق. فكان ان اطلق حملة تبرع في هذا الاطار. وجمع قسما من اكلاف الطائرات. لقد شكلت مساهمة النائب سعد الحريري الجزء الاكبر من القيمة الاجمالية للحملة. كما كانت مساهمات عدد من رجال الاعمال لافتة وفي مقدمهم خبير الاعشاب الطبية، زين الاتات. وتجدر الاشارة الى انّه كان لتدخل وزير الداخلية المباشر اثرا على ايقاف الصيد البحري بالديناميت وردع بعض الانتهاكات البيئية في بعض الاماكن.
لكن تبقى هذه المؤشرات وعلى الرغم من اهميتها ورمزيتها، لا تتعدى الدعم الكلامي والمعنوي، اذ انها لم تلق ترجمة على ارض الواقع كما يجب.
انخفاض المساحات المحروقة
انخفضت معدلات الحرائق الى النصف تقريبا عن العام الماضي. فبلغت المساحات المحروقة ما يقارب الالفي هكتار من الاراضي الحرشية والمساحات المزروعة. وانّ هذا الانخفاض هو نتيجة تساقط الامطار باكرا هذه السنة، مما ادى الى ازدياد معدلات الرطوبة في الارض، فضلا عن بعض التدابير والاجراءآت المتخذة في هذا الاطار من قبل الدولة والجمعيات البيئية. وكان من الممكن خفض معدل المساحات المحروقة الى اقل من النصف لولا حصول حريق الدبية.
البيئة في صلب اهتمامات وزارة الداخلية
اعادة تفعيل حزب الخضر
اعيد احياء حزب الخضر في لبنان، واستبعد المنتسبون الى احزاب اخرى عن المراكز القيادية. وان هذا لمؤشر ايجابي وواعد لحزب اعتبر عند تأسيسه ملحقا ومجمدا في ادراج الحزب الاشتراكي. هذا وقد بدأ حزب الخضر فعلا بفتح باب الانتساب لتوسيع قاعدته التمثيلية. الا ان العبرة تبقى في ادائه (ابتعاده عن نظام الزبائنية اللبناني)، وكيفية ممارسته للديمقراطية عبر اتباعه مبادئ الشفافية والمحاسبة، وتبنيه لمبدأ تواتر السلطة. وانّ نجاح هذه التجربة لضرورة لافراد المجتمع الاخضر وازدياد تأثيرهم في النظام اللبناني.
هذا وقد تمت انتخابات جديدة في اتحاد الجمعيات الشمالية ادت الى انتقال الاتحاد الى عناصر جديدة والى رئيس جديد.
تعثر
تعثر في اداء وزير البيئة الجديد وتحديد اولوياته
رغب معالي وزير البيئة بفتح موسم الصيد قبل ضمان انفاذ الاجراءات لتنظيمه، واعلن عن رغبته هذه في مؤتمر صحفي. فكان ان انتشر سلاح الصيد بأيدي الناس بصورة اكبر، وحصلت انتهاكات اكبر لانواع عديدة من الطيور(على الرغم من عدم استصدار اي قرار رسمي بهذا الشان).
فكان ازدياد لكميات سلاح الصيد المتوفرة في ايدي فئة الشباب والمراهقين، وذلك مقابل انعدام توفر امكانية ضبط وجهة استعماله، في ظل ظروف سياسية حساسة وانتخابية معروفة. واقعة جعلت نخب المجتمع الاخضر اللبناني تعتبر بأنّ ثمة تلعثما في اداء معالي الوزير وتحديده للاولويات البيئية في ظل الازمات والمشكلات البيئية الجمة التي يعاني منها البلد.

تعثر مشروع النيابة العامة البيئية
وضع معالي وزير البيئة مشروع النيابة العامة البيئية على سكة الانفاذ بعد ان وجه طلبا رسميا الى معالي وزير العدل بهذا الخصوص اثر مطالبات بعض البيئيين. الا انّ المشروع تعثر بناء على مطالعة سعادة المدعي العام لمحكمة التمييز في هذا الصدد.
وتجدر الاشارة الى انه ماتزال شريحة غير يسيرة من السادة القضاة تستصدر قرارات غير منصفة بحق البيئة التي هي الحلقة الاضعف، وذلك نتيجة التدخلات السياسية في اعمال القضاء. كما انّ البلد مازال يخسر رويدا رويدا جاذبيته السياحية بفقدانه المستدام لثرواته الحرشية التي هي رئة العرب، كما جودة شواطئه ونوعية هوائه ومياهه التي تشكل عناصر تمايزه في محيطه. فالبيئة وقضاياها مازالت على الهامش.
ارتفاع معدلات قطع الاحراش والغابات للتدفئة
تخطى سعر برميل النفط عتبة الماية دولار امريكي هذا الصيف، فازدادت معدلات قطع الاشجار للتدفئة. فأضحى الكلام عن وقف القطع بمثابة التنظير الفلسفي، وذلك في ضوء ضائقة اقتصادية اشتدت في البلد وطالت الطبقات الاقل يسرا. وقد بلغت معدلات قطع الاشجار وفق التقديرات المبدئية (نظرا لغياب احصاءآت وارقام دقيقة)، ما يزيد عن الالفي هكتار من الاحراش والغابات. فوازنت معدلات القطع ما اغفلته الحرائق لهذا العام. وتجدر الاشارة الى ان وزارة الزراعة لم تصدر دراسة حول مجمل المساحات الحرشية التي شملتها رخص القطع الممنوحة من قبلها.

الدولة والبيئية
البيان الوزاري
اتى البيان الوزاري للحكومة الحالية منصفا للبيئة وقد عبر عن رغبة قوية من قبل الحكومة العتيدة بتبني قضايا التنمية المستدامة في البلد. الا انّ مثل هذه الرغبة لا تترجم الا عبر انتقاء وزير للبيئة تقني الى حد بعيد. وعلى عكس ما توقعناه فقد أتت آلية تسمية الوزير العتيد سياسية صرفة وفق الطريقة الكلاسيكية المتبعة في كل العهود. فكان ان استحال الشق البيئي في البيان الوزاري حبرا على ورق، وذلك بسبب قصر حياة الوزارة الحالية(عشرة اشهر)، وتسمية وزير ليس من اهل الاختصاص. وتجدر الاشارة الى الازمات البيئية تداهم اي وزير وتدفعه الى اتخاذ تدابير استثنائية وسريعة لمواجهة الكوارث.
مواقف مسيئة
هذا وعند تشكيل الحكومة العتيدة تلقى البيئيون ضربة قاسية من نائب رئيس الحكومة الاسبق النائب ميشال المر اثر تصريح، ادلى به من مجلس النواب. وقد تناول من خلاله عن قصد او غير قصد، معنويات البيئيين بطريقة سلبية. كما صغر النائب من اهمية وزارة البيئة والمهام المنوطة بها معتبرا اياها غير لائقة لولده-نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع السابق الياس المر. ان مثل هكذا تصريحات تدل عن جهل لاهمية البيئة واهميتها المتزايدة عالميا.
التشريعات البيئية المستصدرة
صدّق مجلس النواب اللبناني خلال العام 2008على انضمام لبنان الى معاهدة كارتاجينا للسلامة الاحيائية البحرية، كما اقر مجلس النواب انضمام لبنان الى معاهدة برشلونة بصيغتها المعدلة بعد طول انتظار. وتمّ نشر المعاهدة والتعديلات في الجريدة الرسمية بتاريخ 9/10/2008.
المشكلات البيئية
الحرائق
استعرت الحرائق مجددا في العام 2008، كما ظهرت جملة انتهاكات البيئية في عدد من المواقع مع حلول موسم السياحة. هذا وقد اصدر البنك الدولي دراسة في ايلول من العام الجاري حول حرائق العام 2007. شكلت المساحات المحروقة هذا العام !!!!
هذا ولم يوضع اقتراح رئيس لجنة البيئة النيابية اكرم شهيب حول ضرورة ايجاد المؤسسة الوطنية للغابات موضع التنفيذ.
انّ معظم الحرائق التي استعرت في البلد في العام 2008 كانت نتيجة تدخل البشر بشكل مباشر او غير مباشر، وعن معرفة او عدم معرفة.
وتجدر الاشارة الى انّ جمعية الثروة الحرشية والتنمية((AFDC قامت مشكورة، بالتعاون الوثيق مع وزارة البيئة ولجنة الحرائق، بجهود جبارة لرصد الحرائق، وتقييم الاضرار وزيادة الوعي البيئي والتأثير على صنعة القرار لايجاد الحلول. كما اطلقت حملة جمع تبرعات لتمويل حملات اعادة تحريش ما احترق من غابات واحراش.
الاسباب غير المباشرة
انّ نفايات البشر في الاحراج والغابات كالزجاج مثلا، تشكل عاملا اساسي لاستعار الحرائق، وذلك في ظل ازدياد معدلات الحرارة وانخفاض معدلات الرطوبة في الارض. هذا ويزداد الوضع صعوبة مع صعوبة الطبيعة الطوبوغرافية للمكان، كما مع غياب الخدمات الاساسية من طرق وشبكات مياه.
الاسباب المباشرة
حرائق غير مفتعلة
· اعمال تقليم الشجر وحرق الاغصان المقطوعة في ظل ازدياد سرعة الهواء وانخفاض نسبة الرطوبة، شكلت سببا مباشرا للحرائق في العام 2008.
· اعمال تصنيع الفحم (المشاحر) شكلت سببا آخر للحرائق، وهي اعمال غير مشروعة يقوم بها البعض في الامكنة البعيدة عن الطرق، بحيث انه في بعض الاحيان يعجز صنّاع الفحم عن السيطرة على معدلات النار داخل مشحرتهم، بسبب عدم مهنيتهم في التحكم بكميات الاوكسيجين ومعدلات الاحتراق عبر الدقة في ضبط منافذ الهواء بالتربة، او بسبب اغفالهم او اهمالهم للموقع، فتشتعل البضاعة وتفسد العملية ويحترق المحيط الطبيعي، وتحصل الكارثة.
حرائق مفتعلة
· تضرم الحرائق عادة لتغير وجهة استعمال الارض او لوضع اليد على بعض المساحات او حتى لاسباب سياسية. فالبعض يريد مثلا حرق غابة لغايات السكن او انشاء مشروع سياحي او صناعي.
تدابير وتعثر
تمّ استدراك بعض هذه الاسباب عبر اتخاذ مجلس الوزراء قرارا بعدم تشريع تغيير وجهة الاستعمال حتى بعد حصول الحرائق. كما تمّ استصدار تعليمات مشددة من قبل وزارة الداخلية الى المخافر لضبط المسؤولين عن الانتهاكات البيئية وفي مقدمهم مسببي الحرائق لضبطهم واحالتهم الى الجهات القضائية. وقد تمكنت الضابطة العدلية من ضبط بعض الحالات القليلة واحالتها الى القضاء. ان عدم فعالية الضابطة العدلية في هذا الاطار يعود الى التدخلات السياسية المحلية وعدم فعالية غالبية المغافر في المناطق. ومع اقتراب موسم الانتخابات يتوقع ان يزداد معدلات التدخلات السياسية في هذا الاطار.
هذا ولم يتم البت بملف تثبيت بعض متطوعي الدفاع المدني وتدريبهم وتأهيلهم وتجهيزهم كي يتمكنوا من ممارسة مهامهم. كما انه لم نلحظ اي تقدم لافت في تحريك مشروع حماية الغابات (خلق البنى التحتية من خزانات وابراج مراقبة في الاماكن الاكثر حساسية) الموجود في مجلس الانماء والاعمار، عبر ايجاد التمويل اللازم لانفاذه.
المقالع والكسارات
اعيد تحريك ملف المقالع والكسارات، فجدد مجلس الوزراء المهل الادارية لمدة شهرين في ظل غياب وزير البيئة وتحفظ وزير الداخلية. ومن ثمّ استردت وزارة البيئة من وزارة الداخلية ملف المقالع و الكسارات، التي كان مجلس الوزراء قد اوكلها اياها بعد شغور موقع وزير البيئة خلال الازمة الوزارية الاخيرة. وانّ هذه الخطوة هامة، اذ انها تحيي المجلس الوطني للمقالع، الذي يبت بالملفات امامه وفق معايير ابعد عن السياسة، فيتم اتخاذ القرارات في ضوء القواعد العلمية والبيئية. وتجدر الاشارة الى انّ الازمات السياسية والامنية التي عصفت بلبنان ساعدت في انتشار المقالع والكسارات بشكل عشوائي في العديد من المناطق اللبنانية.
وتجدر الاشارة الى انّ عددا غير قليل من المقالع والكسارات تقع في املاك الملل والطوائف والرهبنات، كبعض مقالع المتن الاعلى والكورة.
وبلغنا ان اتصالات تجري ما بين النائب فتوش والدولة للتعويض عليه جراء ايقاف العمل في مقالع ضهر البيدر. وتجدر الاشارة بأنّ ثمة قرارا صدر عن مجلس شورى الدولة في العام 2006(جمد جراء ضغط بعض البيئيين)، وقضى بالتعويض على شركة الاخير، وبصورة غير مقبولة، بمبلغ خيالي (فاق المايتي مليون دولار امريكي) جراء توقف العمل في مقالعه في ضهر البيدر.
التعدي على البيئييين
حصلت في الثامن من ايلول محاولة توقيف للناشط البيئي د. انطوان الضاهر اثر اعتراضه على قطع اشجار حرشية من قبل البلدية في نطاق بلدية القبيات لزوم توسعة الطريق. فتمّ استدعاؤه ليلا من قبل القاضي داني شبلي، المحامي العام في الشمال، للتحقيق الا انه لم تنشر الاسباب التي ارتكز عليها سعادة القاضي داني شبلي لتوقيف رئيس مجلس البيئة في القبيات، حسب ما ورد في جريدة المستقبل(10 ايلول 2008 - مقالة زياد منصور: "لافتة ضد قطع 142 شجرة صنوبر تفضي الى امر بتوقيف رئيس "مجلس البيئة"). شكلت الحادثة تجاوزا لحد السلطة الممنوحة للقاضي. كما زعزعت ايمان البيئيين بعض الشيئ بأدوار القضاء للجم التعديات على الطبيعة بكل اشكالها.
هذا ومازال موضوع اقامة طريق عريض يخترق محمية بنتاعل في قضاء جبيل يتفاعل سياسيا، وقد دخل البزار الانتخابي.
تلوث الانهار والمجاري
عاد موضوع تلوث مياه الري بمياه الصرف الصحية والنفايات الصلبة، مجددا الى الواجهة مع العام 2008. وانضمت اراض زراعية جديدة الى منتدى الاماكن المروية بالمياه المبتذلة، وذلك على اثر انهاء المراحل الاولى من بعض مشروعات معالجة الصرف الصحي(التجميع) من دون اقامة محطات التكرير. نهر الجوز، هو احد تلك المجاري المائية التي تلوثت بفعل تجميع مياه الصرف الصحي بفعل الشبكات.
وتجدر الاشارة الى انّ لمثل هذا النوع من التلوث تأثيرات على صحة البشر كما انعكاسات على تدهور الاراضي الزراعية وانخفاض كميات ونوعية الانتاج الزراعي.
كما تمّ رصد تلوث المجاري بالنفايات السائلة جراء استخراج زيت الزيتون. انّ مثل هكذا نوع من التلوث لا يشكل خطرا داهما على الصحة بمقدار التلوث الناتج عن الصرف الصحي الا انه يغير من لون وطعم وسماكة وحموضة المياه. لم تتم ايجاد حلول جذرية لهذه المشكلات في الكثير من المناطق كالكورة وجرود البترون مثلا.
وتجدر الاشارة الى انّ كل انواع تلوث مياه الري لها انعكاسات بعيدة المدى على تغير حموضة الاراضي، فتتغير انشطة التربة الجرثومية ومعدلات المعادن فيها، بحيث تزداد كميات الزنك والنحاس والكادميوم في حالة التلوث بالصرف الصحي. كما انّ هناك امكانية لانتقال بعض الجراثيم من المياه الى التربة كما الى النبات. اضف الى ذلك الاكلاف الاقتصادية لتدهور الانتاج والاراضي المحيطة بالمجاري الملوثة.
تلوث المياه الجوفية
مازالت اعداد الآبار الجوفية غير القانونية تزداد في بعض المناطق الزراعية حيث لا وجود للدولة، في ظل ما يواجه البلد من مشكلات امنية وسياسية. ويأتي لبنان في مقدمة الدول المتوسطية التي تستنفد بطريقة عشوائية مخزونها من المياه العذبة. وتشير بعض التقديرات الى أنّ معدل الابار غير المشروعة يزداد بوتيرة الخمس والعشرين بالماية سنويا.
ويشكل الاستعمال غير المدروس للاسمدة والمبيدات البيئية، كما اختلاط مياه الصرف الصحي بالمياه الجوفية عبر المجاري والابار الى تلويث هذا المخزون وجعله غير قابل للاستعمال للشرب. ويشكل زحف البنيان الى حرم مصادر مياه الشرب احد التهديديات الرئيسية لتدني نوعية المياه العذبة. وانّ مياه الشرب في لبنان على تناقص دائم، جراء ازدياد اعداد الينابيع الملوثة سنة بعد سنة.
وتجدر الاشارة الى انّ اعداد الينابيع الملوثة في القرى تزداد عاما بعد عام.. مما يؤدي الى زيادة الفاتورة الاستهلاكية للمواطن جراء تضمينها كلفة مياه الشرب بمعدل ثمانين الف ليرة شهريا لعائلة مؤلفة من اربعة اشخاص.

التعديات البحرية
يشير تقرير الخطة الزرقاء العاملة تحت اطار خطة المتوسط في برنامج الامم المتحدة للبيئة، الصادر في العام 2007 الى ان شواطئ لبنان هي الاكثر تهديدا في حوض المتوسط. هذا ويعتبر التقرير المذكور بأنّ بلد الارز سيخسر كل واجهته الساحلية مع حلول العام 2025، اذا ما استمرت التعديات على الشاطئ بدون رقيب او رادع. وعندها ستضحي حوائط الاسمنت، او ما شابهها، الحد الفاصل ما بين المياه واليابسة. مما سيؤدي في المدى البعيد الى تدهور حتمي في مداخيل البلد السياحية المرتقبة جراء خسران الشواطئ والواجهة البحرية. خسارة قد تبلغ معدلات الاربعين بالماية من ايرادات القطاع المنتظرة.
التعديات على الشاطئ اللبناني

الصيد بالديناميت
ازدادت خلال العام 2008، وتيرة صيد الاسماك بالمتفجرات وبخاصة في منطقة صور، مما شكل خطرا كبيرا على استمرارية ما تبقى من ثروة سمكية في بحرنا-مازالت تسد بعض عوز مجتمعات الصيادين. الا انّ الاجهزة الامنية تمكنت من ضبط المعتدين، على اثر مناشدات بعض البيئين، وتجاوب معالي وزير الداخلية الذي اخذ الموضوع على عاتقه الشخصي.
تثمير الانتهاكات البيئية في السياسة
شهد هذا العام تثمير بعض الانتهاكات البيئية لاهداف انتخابية ومناطقية. وهذا ما ظهر جليا في محاولات استثمار مجزرة غابة ارز البلاد في نطاق بلدة نيحا-البترونية التي قام بها احد مناصري التيارات السياسية المسيحية المحلية في الشمال، بحيث انّ الاخير قد قطع ما يفوق عن الماية والعشرين شجرة ارز معمرة من محمية طبيعية(تقع في املاك البطريركية المارونية)، وذلك لاسباب اقتصادية ولضرورات الاستعمال السياحي(تصنيع تذكارات من خشب الارز) على اثر ازدياد عدد السياح في البلد. وقد فرّ الاخير واحتمى في احد مراكز حزبه خارج منطقة البترون.
وبعد ان قمنا بالاضاءة على الموضوع، (اثر زيارتنا لغبطة البطريرك في التاسع من ايلول من العام 2008 الى الصرح البطريركي في الديمان) عمد حزب مسيحي آخر الى رمي المسؤولية عن غير حق على احد مناصري وزراء التيار الوطني الحر لغايات انتخابية.
هذا وقد تمكنت القوى الامنية من القاء القبض على السيد كرم جرجس، اثر احداث الكورة ما بين القوات اللبنانية والمردة.
نظرة مستقبلية
في ضوء ما تقدمنا به، اننا نرى انّ من الضروري ان يعمل لبنان على الحفاظ على مخزونه المائي الجوفي، والحفاظ على ما تبقى من شواطئه. كما، انّنا نعتقد بأنّ الحكومة مدعوة الى البدء بالبحث عن مصادر للطاقة البديلة مع فرضية ارتفاع اسعار النفط وتزايد استهلاكه، ونفاد المخزون تدريجيا. ويتوقع العلماء زيادة معدلات استهلاك النفط بمعدل الخمسين بالماية في السنوات الخمس والعشرين القادمة.
لذا،
من الضروري ان يفكر لبنان بكيفية ايجاد مصادرتمويل مستقبلية لانتاج الطاقة الكهربائية، اذا ما استمرت الحكومة في الاعتماد على الطريقة الحالية لانتاج الكهرباء. الا ان السؤآل يبقى:"من اين ستأتي اي حكومة عتيدة للبلد، بالامول اللازمة لدفع فاتورة الفيول اويل اوالغاز مثلا في ظل تعاظم الدين العام؟". انّ من المفيد ان يعمل وزير الطاقة والمياه الحالي لايجاد آلية لزيادة الفعالية الانتاجية لاستخدام النفط في معامل الكهرباء.
كما انه من الضروري ان تعمل الحكومة على وضع برنامج مستقبلي للحد من زيادة الكميات المستهلكة من الطاقة المتجددة بكل انواعها وذلك عبر اتباع سياسات خضراء. وانّ حكومة لبنان مدعوة اليوم اكثر من اي وقت مضى، الى استنباط سياسة في مجال النقل العام(المترو مثلا)تحد من عدد السيارات، وبالتالي استهلاك اقل للنفط وخفض معدلات الانبعاثات الغازية في هذا الاطار. وتجدر الاشارة الى ان حكومة دولة اسرائيل المعادية تعمل لكي تكون البلد الاول في العالم الذي يعتمد على الطاقة النظيفة بشكل اساسي في السنوات المقبلة، وذلك كي تضمن امنها الذاتي بالطاقة، وكي تحفظ هواءها نظيفا-فتكون الاكثر جاذبية سياحيا بين دول المحيط.
هذا ومن المتوقع ان يواجه الاقتصاد اللبناني تداعيات ارتفاع اكلاف فاتورة النفط. وانّ ما جرى خلال العام الحالي ليس الا البداية وانموذجا بسيطا لما قد تؤول اليه الامور مستقبلا(زيادة للمبالغ المرصودة لدعم اكلاف الانتاج في كهرباء لبنان تفوق قدرة الخزينة).
لذا، فالحكومة اللبنانية مضطرة الى ترشيد الانفاق وفرض ضرائب جديدة على المواد الاستهلاكية التي تزيد من كميات النفايات الصلبة (البلاستيك والزجاج، وغيرها...) لتمويل اكلاف دعم اسعار النفط المستعمل للتدفئة خلال فصل الشتاء للحؤول دون خسارة ثروة البلد الحرشية. وتجدر الاشارة الى أنّ ثمة ترابطا ما بين ارتفاع سعر النفط وتبدل حاكم البيت الابيض. كما انّ هناك علاقة ما بين ارتفاع اسعار النفط وزيادة معدلات قطع الاشجار في البلد(الاعتماد على الاشجار للتدفئة). كما انّ حكومة لبنان مدعوة ايضا الى العمل لايجاد وتشجيع وسائل توليد الطاقة المتجددة.
اخيرا، ثمة ارتباط وثيق ما بين تغير المناخ في البلد وفقدان الثروة الحرشية، كما انّ هناك ترابطا ايجابيا ما بين قدرة الارض على امتصاص الامطار وتزايد معدلات الاحراش والتربة. نخشى ان يكون لبنان يستنفد مقوماته الطبيعية من شواطئ وثروة حرجية وجمالات طبيعية بمعدلات تفوق التصور سنويا. ولا عجب ان تتدنى مداخيل لبنان السياحية عن المتوقع جراء خسرانه لقدراته. ولا عجب ان اضحى بلد الارز لا يشبه نفسه بل المحيط وذلك بسبب عدم تواجد سياسات بعيدة المدى للحكومات المتعاقبة والحكام في البلد. وانه من الصعب ان تتبنى اي حكومة هذه المسائل الوجودية دون ان يكون للمجتمع الاخضر اللبناني وجود في السلطة عبر دخول الندوة النيابية. وانّ الخضر لن يتمكنوا من الدخول في المنتدى النيابي، اذ لم يقر قانون انتخابي جديد يقوم على نسبية التمثيل. وهنا تكمن المعضلة الكبرى، لانّ موضوعات البيئة هي موضوعات شاملة ولا يتم حل مشكلاتها الا بتضافر الجهود على الصعيد الوطني. وانّ مثل هذه النظرة الشاملة للامور تنعدم مع وجود قانون انتخابات يعزز الفرز المناطقي والقبلي.
معضلة ستتفاقم حتما في ظل نظام زبائني وطائفي لا يعطي لسائر المعاير الوجودية اهمية. لكن تبقى مكونات المجتمع الاخضر مدعوة اليوم، اكثر من اي وقت مضى(حزب البيئة، حزب الخضر، الاتحادات والتجمعات والجمعيات البيئية...)الى الحفاظ على مبدأ تواتر السلطة وسائر مبادئ ممارسة ديمقراطية القربى( من محاسبة، وغيره) كي تبقى قادرة على الاستمرار والعمل والنضال في سبيل التغيير
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق