الأربعاء، 18 أبريل، 2012

حنين وذكريات

مجلة "النجوى- المسيرة" عدد الاثنين 16 نيسان 2012 قرأت لكم حنين وذكريات قرأت كتاب مازن عبود على مراحل. وكنت في كل مرة أعتقد بأنني سأجد ربما بين سطوره ما يفترض أن يشبه ذكريات فتاة إبنة قرية في الأساس، عاشت معظم طفولتها في المدينة وما عرفت القرية إلا في نوعين من الفترات: الهرب من القصف من بيروت أيام الحرب، وفترة العطلة والأعياد حين كانت تسمح الهدنة بالانتقال إليها. الدكتورة سهام رزق الله حين أقرأ ذكريات صبي المحلة وهو في فترة عيد الميلاد ورأس السنة والغطاس وعيد الفصح تضجّ ذكرياتي بتسارع دقّات قلبي حين كنا نقصد الكنيسة ونحن نتنقّل بين المباني في أحياء الأشرفية غير مصدقين من أعلنوا وقف إطلاق النار أثناء الأعياد وفرصة الحياة التي "يبذخون" بها علينا وكأنها "بسترينة" العيد التي ذكرها مازن عبود في ذكرياته. لم نكن نثق بأن وعودهم صادقة، فنسير متلفتين ومنصتين الى أي "صفير" قذيفة يجعلنا ننبطح أرضا على رغم حرصنا على المحافظة على أفضل حلّة لـ "ثياب العيد"، الذي كنا نسمع "الكبار" يقولون عنه سنة تلو السنة "عيد بأية حال عدت يا عيد...". وحين أقرأ عن زمن الشعنينة وكيف كان أولاد المحلّة يجوبون الطرق، تجتاح ذهني صور الشعنينة حين كنا نسير في الأزقة بدل سلوك الأوتوستراد المجاور للكنيسة تفاديا للقناصة. أبحث في ذاكرتي عن أريج تلك الزهور التي يتحدّث عنها "صبي المحلّة" تملأ الأمكنة، فيضيق نفسي بروائح البارود التي كنا نشتمّها في هدنة العيد عندما نخرج من الملاجئ لتفقّد الأماكن والمعايدة، وكانت عبارة "كل عيد وأنتم بخير وسلامة" لها مغزاها الخاص في زمن يحسب فيه العمر لحظة بلحظة، وما كان أصعب المرور في تلك الأحياء بين مبانٍ مخترقة بقذائف وجدران مشوهة بثقوب شظايا وزجاج مكسّر يحذرنا الأهل من المرور تحته خشية سقوط بقاياه على رؤوسنا... ترى ما كان يكون موقفك يا صبي المحلة في تلك الأيام لو نظرت من أعلى التلال التي كنت تقف عليها وتخيلت ما كان يحصل على أقدامها في الساحل؟ كنت تحلّل أسباب المطر والبرق والرعد في ليالي الشتاء القروية، وكان أطفال تلك المدينة يحلمون بمطر السماء بدلا من شظايا القذائف، ويحلمون ببرق الزوابع بدلا من لمعة الصواريخ، ويحلمون برعد العواصف بدلا من ضجيج الإنفجارات. وإن أنسى لا أنسى يوم خاطرنا بالانتقال من بيروت الى الجبل علنا نرتاح أيامًا ونلتقي بأترابنا ممن يعيشون ذكريات شبيهة جدا بذكريات صبي المحلة. فرحنا لحظة وصولنا الى بيت الجبل بالسلامة، "قطوع ومرّ"، فامتلأ البيت بالمهنئين بقدومنا الى القرية الهادئة الى حين قبولنا دعوة العشاء في بيت أحد الأقرباء، مما أخرجنا مساء من البيت، حتى نعود ونكتشف أنه تعرّض لسقوط قذيفة "عن طريق الخطأ" كانت الأولى من نوعها في تلك القرية البعيدة كل البعد عن حرب المدينة. "ما بالهم يلحقون بنا الى هنا حتى ولو "بالغلط"؟!ّ" تصوّر يا صبي المحلّة أنهم استكتروا علينا يومها أيامًا من الذكريات خالية من بصماتهم؟ الحمدلله على سلامتنا وعلى بقائنا على قيد الحياة لنحكي اليوم تلك الذكريات. أملي يا صبي المحلة ويا صبيان جميع المحلات وفتياتها ألا تشبه ذكرياتكم يوما ذكريات فتاة المدينة، بل أن تكون ذكرياتكم الأقرب الى ذكريات صبي المحلة. ولكن الواقع يؤكّد أن ذكريات أطفال لبنان لا تكتمل إلا بهاتين الصورتين. ______________________ اطار الوزير د.الصايغ: صرخة استحضار لكل القيم التي قام عليها وطننا نظمت ادارة بيت الضيافة في جونية ندوة عن كتاب "ذكريات صبي المحلة" (قصص من جبل لبنان الصغير) للكاتب مازن عبود، شارك فيها الوزير السابق الدكتور سليم الصايغ، المدير العام لوزارة التربية الدكتور فادي يرق، الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الاب بطرس عازار ومدير "بيت الضيافة" الراهب اللبناني الاب انطوان عطاالله، في حضور النائب العام للرهبانية اللبنانية المارونية الاب اميل عقيقي ممثلا الاباتي طنوس نعمة، وشخصيات أدبية وفكرية ولفيف من الكهنة وأصدقاء الكاتب، وداعمين لـ "بيت الضيافة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق