الاثنين، 2 أبريل، 2012

عفيفة وبيروت وحقول الملفوف

مازن ح عبود • الاثنين 02 نيسان 2012 ليست شخصيات رفيقي القصصية وهماً، كما انها ليست حقيقة. فهي مركبات واقعية لأناس جرى تجميع أطباعهم او تكثيفها لضرورات الحبكة. اما "المحلة" (مسرح الاحداث) فتتخطى الحدود المكانية كي تكون العالم. أمّا قصصه فهي بنات هذا الزمن او ما قبله بقليل، صُمّمت كي تعالج مشكلات عصرية، فتوصل رسائل من دون أكلاف. ولكم أحبّ رفيقي ان يتلو عليّ قصصه، كقصة "عفيفة" التي أدركت المدينة للمرة الاولى، يوم اصطحبها ولدها الى بيروت بُغية الخضوع لعملية جراحية. فقال: "قَبلت "عفيفة" أخيرا ان تغادر محلّتها بعد طول وساطات ومساع حميدة. فكان أن حجزت لنفسها مكاناً في "ماكينة يوسف الدوماني"، صبيحة يوم آذاري. راحت الماكينة تشقّ عباب الأديم متجهة الى حيث لا يدري احد إلّا الدوماني. وقد شعرت المرأة بالغثيان مراراً، فلعنت الغربة. وكانت تزوّد بماء الورد وسائر السوائل عند كل لفّة كوع او وقعة "جورة" كبيرة. حتى التبسوا في التقدير، فسكبوا عليها مرة من قنّينة بَول جارتها "سليمة" التي احضرها السائق معه لزوم تسليمها للمختبر الطبي. فصرخت: "ما هذا يا قوم ؟". فأجابوها: "ماء ورد "سليمي". فأجابت: "تضِربي يا "سليمي" حتّى مياه وَردِك بَول!!". ولمّا وصلت السيارة الى تخوم عمشيت، أدركت "عفيفي" مساحات خضراء لا متناهية. فصرخت: "لِم كل هذا الملفوف؟". فردّ عليها "الدوماني": "هذا ليس ملفوفاً بل جلدا يا امرأة. أما سمعت عن الجلد في الكتاب". فاحتارَت، ونظرت الى السهول الخضراء المتموّجة بزرقتها. ثمّ لملمت أطرافها، قبل أن تتجرأ وتقول: "اذا ما كانت البلد تحوي هذا الحوض الكبير من المياه، فلم يعطش بنو آدم والبهائم والخضرة؟؟ لو سلّمت هذا البلد لأقمت أقنية مياه لتحيا العباد". فكان أن اسكتها ابنها، شارحاً بأنّ البحر الابيض المتوسط مالح. فصدمت. ثمّ راحت تفتكر في ذلك، حتى أدركت طرقاً تكتظ بالسيارات. فهمست في اذن ابنها "الياس"، سائلة: "عرس من يكون هذا يا "لالوس"؟ أيكون عرس ابن الرئيس حتى انّ عدد السيارات فاق عدد موكب "النوس" في عرسه؟؟". فضحك وأجاب بـ"لا"، لأنّ الموضوع هو عجقة سير. وتقلّصت لمّا أدركت سيارات تندفع من كل مكان وتطحش على بعضها. فتلعثمت، وصمتت. ثمّ حدّقت مليّاً في الجو، فإذا فواصل تحجب الرؤية. حواجب أكسيت صوراً لنساء شبه عاريات و"رجال بلا حياء" ووجوه غابت عنها النعمة. فسألت: "لِم يحجب البحر والأديم هكذا؟؟ ولمَ تستبدل روائع الله بوجوه خاطئة؟؟ فقيل لها إنّ ما ادركته هو الحضارة. فصمتت، وحزنت لكونها سجن البشر الكبير. ولمحت في الافق غير البعيد قسطلين ضخمين يبثّان أدخنة لم تشهد مثلها قط. فصرخت: "انه التنين". ونهرَت السائق طالبة منه الهروب من تنين بيروت. وتمتمت قائلة: "حتى جاورجيوس لم يفلح في قتله !!". وأبلغت بأنّ التنين كان معمل الذوق الحراري للكهرباء. ثمّ ارتفع هدير، وعَلت ضربات الزمامير. التطمت سيارة بأخرى. فخرج صراخ. وقد تنبّهت لروائح في الجو. فصرخت: "ألا يأكل اهل بيروت إلّا الفاصولياء المطبوخة حتى خربوا أهوية مدينتهم؟؟". فقيل لها إن الامر لا يتعلق بأكل الفاصولياء بل بانبعاثات الصناعة والنقل. فأحَسّت انها في دنيا الشياطين، وقد توقف عقلها عن العمل. فراحت تصرخ وتردد أشلاء من مزامير سمعتها: "الهي أنجدني، فإني في وادي الموت، وحيدة!!! لا تترك عبدتك "عفيفة" لأنها لم ترتكب الكثير من الإثم! خلّصني لأنّ إبليس قد قبض علي. تنّين بيروت يخنقني، وطبول الجحيم وصنائع الشياطين تعميني". وصَلّت كي تستفيق من كابوسها الذي لم يطل كثيرا، فكان أن عادت الى محلّتها، وهي تشكر ربّها على خلاصها. وأخبرت "سليمة وفهيمة وايفون" بعظمة الرب.  • كاتب وعضو معهد الصحافة العالمي (فيينّا)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق